د. عايدة الخطيب

كان الموعد صباحاً، حين دخلت المعهد الدراسي الذي تحول إلى مركز إيواء للنازحين في بيروت. كان المشهد مختلفاً تماماً عمّا توقعته,لم يكن هناك صخب الصباح ولا ضجيج الأطفال في الساحات، بل كان هناك سكون ثقيل.

دخلت بهدوء، فعيني تبحث عن مكان تسقط عليه.
على أرضية إحدى القاعات، كان نصف النازحين لا يزالون نائمين. ليس على أسرة، بل على الأرض مباشرة، مفترشين بطانيات رقيقة، متلاصقين كمن يحاولون الاحتفاظ ببقايا دفء الليل. أوضاعهم كانت توحي بأنهم استسلموا للإرهاق قبل أن يستسلموا للنوم. بعضهم غطى وجهه بكم قميص، وآخر كان يضم حقيبة بلاستيكية إلى صدره كأنها كنزه الوحيد.

أما النصف الآخر، فكان قد استيقظ باكراً. جلست مجموعة من الرجال والنساء على الأرض أيضاً، لكنهم كانوا يحتسون القهوة. فناجين صغيرة بلاستيكية أو معدنية، يسكبون فيها القهوة السادة من ترمس واحد كبير. كانوا يشربونها ببطء، كمن يمددون لحظة الدفء الوحيدة في يوم طويل وبارد. نظراتهم كانت شاخصة نحو فنجان القهوة أو نحو جدار مجرد. لم يكن هناك حديث كثير، فقط صمت يقطعه صوت الشرب الخفيف ورائحة الهيل والبن المرة التي ملأت المكان.

بينما كنت أتجول، لفت انتباهي مشهد مختلف تماماً. في زاوية المعهد، حيث كان ضوء الصباح يدخل من نافذة عالية، جلست مجموعة من الأولاد على الأرض أيضاً، لكنهم لم يكونوا نائمين ولا يشربون قهوة. كانوا يتابعون دراستهم أونلاين. كل طفل ممسكاً بهاتف ذكي صغير أو جهاز لوحي، بعضها شاشاته مشققة، والبعض الآخر يعمل ببطء. سماعات الأذن تغطي آذانهم، وعيونهم مركزة على الشاشة كأنهم يحاولون الهروب من واقع المعهد إلى عالم الدرس الرقمي.

رأيت فتاة في العاشرة من عمرها تكتب بجد في دفتر موضوع على ركبتها، بينما كان أخوها الأصغر يتشارك معها سماعة أذن واحدة لأنهما يملكان جهازاً واحداً فقط. كانت المعلمة عبر الشاشة تشرح درس الرياضيات، والفتاة تتابع بشغف، رغم أن صوت بكاء طفل رضيع في الخلفية كان يقطع أحياناً شرح المعلمة.

وقفزت إلى ذهني المفارقة المؤلمة: هؤلاء الأطفال نازحون، فقدوا منازلهم وربما مدارسهم، لكنهم لم يفقدوا حلمهم في التعلم. هم يجلسون على أرض باردة في معهد مهجور، لكن عقولهم تسافر عبر الإنترنت إلى صف دراسي افتراضي. مشهدهم كان الأكثر تأثيراً فيّ: صمود صامت لا يضاهيه إلا تصميم لا يلين.

مشيت بينهم ، رأيت طفلاً صغيراً نائماً على صدر أمه، وهي تحتسي قهوتها بعين واحدة تحدق في الفراغ. ورأيت رجلاً مسناً يقلب فنجانه بعد أن فرغ منه، وكأنه يقرأ فيه متى سيعود إلى بيته. لكن عيني ظلت تعود إلى أولئك الأطفال، الذين كانوا بالنسبة لي رمزاً للأمل والعناد معاً.

في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب. لم يكن فقط الحزن، بل كان الإعجاب بهذا الصمود اليومي البسيط. إنهم يستيقظون على أرض باردة، لكنهم يصرون على طقوس القهوة. إنهم بلا منازل، لكنهم لم يفقدوا إنسانيتهم. وأطفالهم بلا مدارس، لكنهم يبحثون عن العلم من بين الأنقاض.

غادرت المعهد وأنا أحمل في ذاكرتي ثلاثة مشاهد لا تمحى: نصف نائمون منهكون على الأرض، ونصف آخر يحتسون القهوة وكأنهم يقولون للحياة “ما زلنا هنا”، وأطفال يرتدون سماعات الأذن ووجوههم مشرقة بالتركيز، وكأنهم يقولون للمستقبل: “لن تسرق حلمنا”.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554422
Total views : 7243381