كتب فادي شربل داود
في مطلع القرن الثالث عشر، كان لبنان يعيش على إيقاع زمن مضطرب. فالحروب الصليبية ما زالت تلقي بظلالها على الشرق، وكونتية طرابلس الصليبية تحكم جزءاً من الساحل اللبناني، فيما كانت جبال الموارنة الممتدة من جبة بشري إلى بلاد جبيل تحتضن شعباً صغيراً في العدد، كبيراً في إيمانه وثباته.
في تلك الأيام، لم يكن للموارنة جيش يحميهم، ولا ممالك تدافع عنهم، بل كانت قوتهم في أديرتهم وصلواتهم ورهبانهم وبطاركتهم. كانت الأجراس تقرع في أودية قنوبين وإيليج ويانوح، وكانت اللغة السريانية لا تزال ترتفع كالبخور في القداديس، حاملةً تراث أنطاكية المشرقية إلى السماء.
وفي قلب هذه المرحلة، جلس على الكرسي البطريركي رجل آتٍ من عمشيت، بلدة البحارة والصيادين والقديسين. إنه البطريرك إرميا العمشيتي، الذي انتُخب سنة 1199 بطريركاً على الكنيسة المارونية.
كان إرميا معروفاً بالتقوى والعلم والاتزان. عاش في زمن كانت فيه الكنيسة الغربية بقيادة البابا إينوشنسيوس الثالث تسعى إلى جمع كلمة الكنائس وتثبيت العقيدة في مواجهة الانقسامات والبدع. لذلك دعا البابا إلى انعقاد المجمع اللاتراني الرابع سنة 1215، أحد أهم المجامع في تاريخ الكنيسة.
ولم يكن من المألوف في ذلك العصر أن يُدعى بطريرك شرقي من جبال لبنان الوعرة إلى هذا الحدث العالمي. لكن شهرة الموارنة بوحدتهم مع الكرسي الرسولي، وسمعتهم الحسنة بين الكنائس الشرقية، دفعت البابا إلى توجيه دعوة رسمية إلى البطريرك إرميا للمشاركة في المجمع.
كانت الدعوة حدثاً استثنائياً في تاريخ الموارنة.
ويُخيَّل إلينا المشهد يوم وصلت الرسالة البابوية إلى دير سيدة يانوح. ربما اجتمع الرهبان حول بطريركهم وهم يقرأون كلمات الحبر الأعظم. وربما علت الدموع عيون بعض الشيوخ الذين رأوا في هذه الدعوة اعترافاً عالمياً بكنيستهم الصغيرة المتمسكة بإيمانها وسط جبال لبنان.
وبعد الاستعداد للرحلة، انطلق البطريرك نحو الساحل.
وصل إلى مرفأ طرابلس، حيث كان البحر الممتد أمامه يربط الشرق بالغرب. هناك اجتمع المؤمنون والكهنة والرهبان لتوديعه. كانت الرحلة طويلة وخطرة، فالسفر في القرن الثالث عشر لم يكن نزهة سهلة، بل مغامرة قد تنتهي بالغرق أو المرض أو هجوم القراصنة.
ارتفعت الصلوات على الرصيف الحجري للميناء، فيما كان البطريرك يبارك أبناءه للمرة الأخيرة قبل الإبحار.
صعد إلى السفينة.
ابتعدت شواطئ لبنان شيئاً فشيئاً، وغابت الجبال التي أحبها خلف الأفق. وعلى مدى أسابيع طويلة، واجهت السفينة أمواج المتوسط ورياحه العاتية. كانت الليالي البحرية موحشة، لا يُرى فيها سوى النجوم المنعكسة على صفحة الماء، فيما كان البطريرك يرفع صلاته بالسريانية طالباً حماية الله للمسافرين.
وأخيراً ظهرت سواحل إيطاليا.
دخل إرميا إلى روما، المدينة التي كانت آنذاك قلب العالم المسيحي. هناك استقبله البابا إينوشنسيوس الثالث بحفاوة واحترام. وقد يكون الحوار بينهما شبيهاً بما تنقله لنا روح التاريخ:
قال البابا: “لقد سمعنا عن إيمان الموارنة وثباتهم في جبال لبنان.”
فأجاب البطريرك: “نحن أبناء أنطاكية يا صاحب القداسة، نحمل الإيمان الذي تسلمناه من آبائنا، ونحفظه بالصلاة والنسك والرجاء.”
وربما ابتسم البابا قائلاً: “إن كنيسة لبنان صغيرة في العدد، لكنها كبيرة في الأمانة.”
ثم بدأت أعمال المجمع اللاتراني الرابع، حيث اجتمع بطاركة وأساقفة وكهنة من أنحاء العالم المسيحي. وكان من أبرز المواضيع المطروحة شرح عقيدة حضور المسيح الحقيقي في سر الإفخارستيا.
وفي إحدى المناسبات الاحتفالية، طلب البابا من البطريرك الماروني أن يحتفل بالقداس وفق الطقس الأنطاكي السرياني.
وقف إرميا أمام المذبح.
ساد الصمت.
راح صوته يرتفع بالسريانية القديمة، اللغة التي صلى بها آباء الكنيسة المشرقية قروناً طويلة. كانت الكلمات تتردد تحت القباب كأنها صدى آتٍ من أعماق أنطاكية ووادي قنوبين معاً.
وعندما وصل إلى لحظة رفع القربان الأقدس، حدث ما تناقله التقليد الماروني عبر الأجيال.
فبحسب ما أورده ابن القلاعي ونقله البطريرك اسطفان الدويهي، رفع البطريرك القربان، ثم أنزل يديه، فإذا بالقربان يبقى معلقاً في الهواء فوق رأسه.
ساد الذهول.
توقفت الأنفاس.
وتحولت العيون كلها نحو تلك العلامة المدهشة.
البابا نفسه وقف مذهولاً، والكرادلة والأساقفة نظروا إلى المشهد غير مصدقين ما يرون.
أما البطريرك، فلم ينشغل بنفسه، بل تابع صلاته بتواضع وخشوع.
وهنا تكمن عظمة الرواية.
فالأعجوبة لم تكن تمجيداً لشخص إرميا، بل شهادة للإيمان الذي يحمله. لم يكن البطل الحقيقي هو البطريرك، بل المسيح الحاضر في سر الإفخارستيا.
ولهذا السبب بقيت هذه الحادثة حيّة في الذاكرة المارونية قروناً طويلة.
ويروي الدويهي أنه عندما كان يدرس في روما، شاهد بنفسه صورة تذكارية لهذه الآية منقوشة في كنيسة القديس بطرس القديمة، ما يدل على الأثر الكبير الذي تركته الرواية في الوجدان الكنسي…
وعندما انتهت الزيارة، منح البابا للبطريرك البراءة الرسولية المثبتة له على كرسي أنطاكية، مع جميع الامتيازات والعوايد التي تمتّع بها أسلافه.
ثم عاد إرميا إلى لبنان.
عاد إلى جباله وأوديته وأديرته.
عاد إلى شعبه الذي كان ينتظر أخباره بفارغ الصبر.
ولعل الرهبان يوم استقبلوه في سيدة يانوح أو إيليج لم يكونوا يرون أمامهم مجرد مسافر عاد من روما، بل أباً حمل اسم الكنيسة المارونية إلى قلب العالم المسيحي وعاد مكللاً بالاحترام والتقدير.
وبعد سنوات قليلة، أسلم البطريرك إرميا العمشيتي الروح سنة 1230، تاركاً صفحة مضيئة من تاريخ الكنيسة المارونية.
أما الدرس الأعمق من هذه الرواية، فهو أن الله لا يقيس الأمور بالحجم والقوة والنفوذ. فكنيسة صغيرة مختبئة في جبال لبنان استطاعت أن تجعل صوتها يصل إلى روما، لا بالسلاح ولا بالمال، بل بالإيمان والأمانة.
وإذا كان القربان الأقدس المعلق في الهواء قد أدهش الحاضرين يوماً، فإن الأعجوبة الأكبر كانت وما تزال بقاء هذا الشعب متمسكاً بإيمانه عبر القرون، رغم الحروب والاضطهادات والمجاعات والهجرات…

يا ربنا يسوع المسيح،
يا من جعلت من جبال لبنان منارة للإيمان،
ومن أديرته حصوناً للصلاة،
ومن قديسيه شهوداً لمحبتك،
أعطنا شيئاً من أمانة البطريرك إرميا،
ومن شجاعة آبائنا الذين حملوا الصليب في الأيام الصعبة.
علّمنا أن نراك في سر القربان،
وفي صمت الكنائس،
وفي تعب الحياة اليومية.
واجعل كنيستنا ثابتة في الحق،
متواضعة في المجد،
وأمينة لك حتى النهاية.
وبشفاعة أمك مريم العذراء،
والقديس شربل مخلوف ،
وسائر قديسي لبنان،
احفظ شعبنا وبلادنا،
وأبقِ نور الإيمان متقداً في قلوبنا،
الآن وكل أوان وإلى دهر الداهرين.
آمين.

© فادي شربل داود – جميع الحقوق محفوظة. يُسمح بمشاركة هذا المقال كما هو، شرط الإبقاء على اسم الكاتب وعدم حذف أو تعديل أي جزء من النص.

فادي شربل داود
١١ حزيران ٢٠٢٦

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559675
Total views : 7253571