*شاديا الحاج حجار – سيدني*

في أمسيةٍ حملت عبق الذاكرة اللبنانية وألق الأغنية الشرقية الأصيلة، قدّمت جوقة كنيسة سيدة الرقاد حفلاً غنائياً بعنوان “دندنة”، اصطحبت فيه الجمهور في رحلة موسيقية عبر محطات من أجمل ما قدّمه كبار المبدعين الذين تركوا بصمة لا تُمحى في تاريخ الأغنية العربية.

تنقّل البرنامج بسلاسة بين روائع الأخوين رحباني، وأعمال زياد رحباني التي جمعت بين العمق الموسيقي والخصوصية الفنية، كما استعاد أغنيات خالدة لصباح، وغسان صليبا، وجورج وسوف، وملحم بركات، وجوزيف صقر، وإلياس رحباني، نصري شمس الدين والسيدة فيروز في لوحة فنية متنوّعة جمعت بين الطرب، والحنين، والإيقاع، والدراما الموسيقية.

رافق الجوقة فريق موسيقي متكامل قدّم عزفاً متقناً، حافظ على روح الأعمال الأصلية مع لمسة شبابية أنيقة، فكان الأداء الموسيقي متناغماً وداعماً للأصوات، دون أن يطغى عليها. وقد عكست قيادة الفرقة دقة في الإعداد وانسجاماً واضحاً بين العازفين والمغنين.

أما الأصوات الشابة من الفتيات والشبان، فقد أثبتت أن الأغنية اللبنانية الأصيلة لا تزال تجد من يحمل رسالتها بمحبة واحترام. تميّز الأداء بالعذوبة والالتزام والإحساس، وظهرت مواهب واعدة تمتلك خامات صوتية جميلة وقدرة على التعبير، مع حضور مسرحي واثق يزداد نضجاً مع الخبرة والممارسة؛ نذكر منها على سبيل المثال -من اصوات الشباب -وليس الحصر: الياس سيّدة ؛ توفيق يعقوب وجورج كرم.
لم يكن “دندنة” مجرد حفل غنائي، بل كان احتفاءً بتراث موسيقي شكّل جزءاً من الذاكرة الجماعية لأجيال متعاقبة، ورسالة تؤكد أن الفن الراقي يبقى حيّاً عندما يجد من يؤمن به ويقدّمه بإخلاص وإتقان.

ويُحسب لجوقة كنيسة سيدة الرقاد هذا الجهد في صون الإرث الموسيقي اللبناني والعربي، وإتاحته للأجيال الجديدة بأسلوب يجمع بين الأصالة والتجدد. فمثل هذه المبادرات الثقافية والفنية تؤكد أن الكنيسة، إلى جانب رسالتها الروحية، تؤدي دوراً مهماً في رعاية الفنون الراقية وتعزيز الهوية الثقافية من خلال الموسيقى والغناء.
لقد خرج الحضور بانطباع جميل، يحمل في ذاكرته ألحاناً لا تشيخ، وأصواتاً شابة تبشّر بمستقبل واعد، ليبقى “دندنة” عنواناً لأمسيةٍ نجحت في أن تجعل الموسيقى لغةً تجمع القلوب، وتوقظ الحنين إلى زمن الفن الجميل. تخلل الحفل تقديم الدروع والهدايا للداعمين مع كلمات التقدير والامتنان للأب طوني بو شعيا راعي كنيسة سيدة الرقاد ومدرّبة الجوقة كاميليا نجّار والحاضرين جملةً وتفصيلاً الذين ساهموا بإنجاح هذا الحفل.
في طريق العودة إلى منازلنا بعد ساعتين ونصف الساعة من الاستمتاع بالمنوعات والمقتطفات المسرحية الغنائية؛ بقي في البال اغنية الافتتاح التي اداها الياس سيّدة اداءً رائعاً:” بلا ولا شي” لزياد الرحباني الذي -جُلّ ما فيه -استحضر طيف زياد بيننا على خشبة المسرح وفي زاوية من زواياه وعلى كرسي في الصالة او في الكواليس حتى خلناهُ يصغي :”بلا ولا شي ” فقط كي يكون معنا وبيننا.
تهانينا كاميليا نجار والف مبروك على هذا الجهد الجبّار فلو توفر للإحتفال هندسة صوت افضل لكان العرض الكامل يستحق تقنية عالية لصالة مجهزة بمكبرات للصوت ذات هندسة رفيعة المستوى. كما لا بُدّ أن نرفع القبعة للمايسترو قائد الأوركسترا فارس خوري الذي عوّض آداءً وتوزيعاً وادارةً عن تقنيات التوزيع الصوتي داخل القاعة.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559665
Total views : 7253541