هنري زغيب*

تقوم إِجمالًا شهرة ليوناردو داڤِنْتْشي (1452-1519) على لوحته الخالدة “الموناليزا” (1516)، حتى تكاد تطغى على لوحات له أُخرى لا يقلُّ معظمها، فنًّا وأَسرارًا، عن تلك اللوحة الأَشهر.

من تلك الأَعمال الأُخرى: لوحة “المرأَة والنمس الأَبيض – أَو “القاقُم” (1490). تعرَّضَت للسرقة وللخطف والغياب نحو 250 سنة، كما تعرَّضت “الموناليزا” للسرقة سنة 1911 واختفت نحو سنتين قبل أَن تعود إِلى متحف اللوفر (1913).

في الحلقتين الأُولَيَيْن من هذه الخماسية سردتُ موضوعَ اللوحة، ودخولَ داڤنتشي على قصر دوق ميلانو لرسْمها، وانتقالَ اللوحة من القصر، وكيفَ فقدَت بولونيا استقلالها وأَمسَت جزءًا من الأَمبراطورية الروسية، ونفيَ الثوارِ الروس الأَمير الشاب آدم جيرزي تشارتوريسكي بسبب ضلوعه في الثورة البولونية ضدَّ روسيا.

في هذه الحلقة أُتابع مصير اللوحة وتنقُّلها وحفظها بعيدًا عن متناوَل جنود هتلر.

هانس پوس: وكيل هتلر لمصادرة اللوحات
استعادة سيادة بولونيا

بعد إِقامة الأَمير الشاب آدم جيرزي تشارتوريسكي (ابن الأَميرة البولندية إِيزابيلَّا دوروتّا تشارتوريسْكا) فترةً قصيرة في لندن، انتقل إِلى باريس، واشترى “أُوتيل لامبير” Lambert (فندق خاص من طراز لويس الرابع عشر، يرقى إِلى 1642)، وعاش فيه حتى وفاته عن 91 عامًا (1861) وحافظَ على لوحة دافنتشي في الفندق بكل حرص، وكان أَهداها لأُمه الأَميرة إِيزابيلَّا قبل مغادرته بولونيا قسريًّا.

من منفاه في باريس، لم يوقف نشاطه السياسي، معارضًا بقسوةٍ القيصر الروسيّ نقولا الأَول (خليفة القيصر أَلكسندر)، ناشطًا من أَجل استعادة بلاده الأُمّ بولونيا سيادتها واستقلالها.

لوحة دافنتشي تتنقَّل

بعد وفاة آدم، ورثه ابنه أُوغستين جوزف تسارتوريسْكي، وقرَّر نقْل اللوحة إِلى دْرِسْدِنْ (مدينة أَلْمانيَّة عاصمة مقاطعة ساكسونيا) حفظًا إِياها من خطر الحرب الفرنسية البروسية (19 تموز/يوليو 1870-10 أَيَّار 1871). وبعد نهاية الحرب، تمَّ نقْل اللوحة إِلى كراكوف، ثم أُعيدت مجدَّدًا إِلى دْرِسْدِنْ، في حماية “إِدارة المجموعة الملَكيَّة”، قبَيْل اندلاع الحرب العالَمية الأُولى.

إبَّان وجود اللوحة في دْرِسْدِنْ، عايَنَها المؤَرخ التشكيلي الأَلماني هانس پُــوسّ Posse، فَلَفَتَتْهُ أَهميَّتُها، وأَذهَلَهُ جمالُها، فازداد حرصه عليها، وحاول تأْخير نقلها إِلى كراكوف سنة 1920.

أُوغستين حافظ على اللوحة حتى وفاته
… وجاء هتلر

بعد نحو عقدَيْن، تمَّ سنة 1939 تعيينُ المؤَرخ پُــوسّ Posse موفَدًا فنِّيًّا شخصيًّا لأَدولف هتلر، للإِشراف على منظمةٍ تهتم بالأَعمال الفنية المسروقة من بولونيا المحتلَّة أَلمانيًّا. وتلقى تعليمات البدء بالتحضير لإِنشاء “متحف الفوهرر” بأَعمالٍ فنية يصادرها لمجموعة هتلر الشخصية ويوْدعُها في مدينة لينْزْ النمساوية، قريبًا من مدينة ولادته برونو Braunau (في النمسا على حدود بافاريا).

نفَّذَ پُــوسّ Posse المهمَّة، وصادر ما في دْرِسْدِنْ. ثم انتقل إِلى ميونيخ وصادر منها مجموعة لوحات كانت في مستودع لأَلْمانٍ يهود. وفي فيينَّا صادر نحو 8000 لوحة، فَهْرَسَها جميعَها بدقَّة تفصيلية، وشكَّلت لاحقًا “خِمْس التراث الفني المنهوب في أُوروبا”.

تدابير لحماية اللوحة من هتلر

إِبَّان تلك الفترة من مصادرة الأَعمال الفنية، كانت لوحة دافنتشي محفوظةً لدى أُوغستين جوزف تسارتوريسْكي (حفيد فلاديسلاف تسارتوريسكي) ووالدته ماريا لودفيكا كْراسينْسْكا.

وفيما مالكها الرسمي هو أُوغستين، قامت والدته ماريَّا بتدابير حازمة لحماية اللوحة، وإِبقائها ضمن المجموعة الفنية التي تمتلكها الأُسرة. ومن تلك التدابير: تأْمين أَكياس رمل حول القصر، مواد الإِسعافات الأَولية، أَقنعة غاز للمولجين بالحماية، تعليمات لجميع الموظفين والعمال بتأْمين الحماية المتشدِّدة مهما كلَّف الأَمر من إِجراءَات وتدابير.

ماذا حل باللوحة بعدذاك؟

الجواب في الحلقة الرابعة.

هنري زغيب هو شاعر، أديب وكاتب صحافي لبناني، مدير أكاديميا فيليب سالم للتراث اللبناني في الجامعة اللبنانية الأميركية، مدير “صالون فيلوُكَاليَّا الأدبي”، ورئيس “اللجنة الوطنية اللبنانية لنشر الإبداع اللبناني”. يُمكن التواصل معه عبر بريده الإلكتروني: email@henrizoghaib.com أو متابعته على موقعه الإلكتروني: henrizoghaib.comأو عبر منصة “إكس” على: @HenriZoghaib
يَصدُرُ هذا النص في “أَسواق العرب” (لندن) تَوَازيًا مع صُدُوره في “النهار العربي” (بيروت – دبي).

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3564142
Total views : 7262310