















بقلم : نبيل حرب
شخصيات لبنانية في كندا
من قسوة البدايات إلى النجاح في الاغتراب… لبناني حمل وطنه معه إلى كندا، وبقي لبنان في قلبه رغم نصف قرن من الغياب
هناك لبنانيون يغادرون وطنهم بحثاً عن فرصة، وهناك لبنانيون يغادرون الوطن بأجسادهم فقط، بينما تبقى أرواحهم معلّقة بأرضه، ببيوته القديمة، بذكريات الطفولة، برائحة التراب، وبوجوه الأهل الذين تركوهم خلفهم.
وهناك لبنانيون، أينما ذهبوا، لا يحملون جواز سفرهم وحده، بل يحملون وطنهم معهم.
يحملونه في أسمائهم، في لهجتهم، في عاداتهم، في عائلاتهم، في صداقاتهم، وفي كل نجاح يحققونه بعيداً من الأرض التي ولدوا فيها.
ميشال إلياس داغر واحد من هؤلاء.
منذ نحو خمسين عاماً غادر تنورين متوجهاً إلى كندا، مع بداية الحرب التي بدأت تلتهم لبنان وتدفع آلاف اللبنانيين إلى الهجرة بحثاً عن الأمان والمستقبل. لكنه لم يهرب يوماً من لبنان نفسه. غادر أرضه، لكنه لم يغادر انتماءه إليها. حمل لبنان معه في ذاكرته، وفي عائلته، وفي علاقاته، وفي كل ما بناه خلال رحلة اغتراب طويلة بدأت بالقسوة والصعوبة، ومرت بمحطات من التعب والخسارة والتحدي، وانتهت بالنجاح، من دون أن تفقد جذورها اللبنانية.
قصة داغر ليست قصة رجل ذهب إلى كندا وحقق ثروة فحسب.
إنها قصة إنسان بدأ من ظروف متواضعة، وعرف معنى الحاجة والعمل والتعب، ورفض أن تكون ولادته في عائلة فقيرة حكماً على مستقبله.
إنها قصة رجل آمن بأن الإنسان يستطيع أن يغيّر واقعه إذا امتلك الإرادة، وأن الطريق إلى النجاح لا يكون دائماً مفروشاً بالورود، بل قد يمر أحياناً من أصعب الأماكن وأكثرها قسوة.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أن ميشال داغر، بعد نصف قرن في كندا، لم ينظر إلى ماضيه بخجل، ولم يحاول أن يخفي بداياته، بل يتحدث عنها بفخر، وكأنه يقول إن الإنسان لا يخجل من نقطة الانطلاق، بل يفتخر بالطريق الذي قطعه.
وُلد داغر في عائلة متواضعة، ولا يخجل من قول ذلك، بل يفتخر به.
يقول:
«لا أخجل من القول إنني من عائلة متواضعة. كان جدي المرحوم يرتدي الطربوش ويعمل في الأرض. كنا فقراء، وكنا ننتقل شتاءً بالإيجار من تنورين إلى شكّا أو جبيل أو نهر إبراهيم».
كانت تلك الحياة جزءاً من ذاكرة جيل كامل من أبناء الجبل، حيث كانت العائلة تكافح لتأمين أبسط مقومات الحياة، وحيث كان العمل في الأرض جزءاً من يوميات الناس، وكانت الهجرة حلماً يراود كثيرين بحثاً عن مستقبل أفضل.
في تلك البيئة نشأ ميشال بين ست شقيقات وأخ، في عائلة محبة ومؤمنة، قبل أن ينتقل إلى المدارس الداخلية في ضهر الوحش وبيروت.
اختار الهندسة البحرية، وبدأ العمل في هذا المجال على متن السفن اللبنانية التي كانت تجوب ألمانيا وبلجيكا وفرنسا ومختلف الدول الأوروبية.
كان البحر مدرسة أخرى بالنسبة إليه.
مدرسة قاسية، لا ترحم، لكنها علّمته الانضباط والصبر وتحمل المسؤولية.
وكان يعرف أن العمل في البحر ليس نهاية الطريق، بل خطوة في طريق طويل يريد من خلاله أن يغيّر حياته.
يقول:«تعذبت في البحر، لكن كان هدفي أن أغيّر الواقع الذي خلقت فيه».
كان ابن الجبل الذي قرر ألا يستسلم للظروف.
كان يريد أن يخرج من الواقع الذي ولد فيه، لا أن يهرب منه، وأن يبني لنفسه ولعائلته حياة أفضل.
في العام 1975 اندلعت الحرب اللبنانية.
لم يكن داغر مؤمناً بها ولا بما ستؤول إليه الأمور، فحاول أن يحمي عائلته وأن يبتعد عن المشهد المأسوي الذي بدأ يطاول كل شيء.
خلال تنقله بحرا وبعد عودته من روسيا ورومانيا الى الاسكندرية صودف وجوده في القاهرة، وهناك تقدم بطلب للحصول على الجنسية الكندية وقد حصل على تأشيرة الدخول إلى كندا.
كانت تلك لحظة مفصلية في حياته.
لم يكن يعرف أن الرحلة التي بدأها بحثاً عن الأمان ستتحول إلى نصف قرن من الحياة والعمل والنجاح، وأن كندا ستصبح وطنه الثاني، من دون أن ينجح الزمن في محو وطنه الأول من ذاكرته.
لم يكن السفر آنذاك سهلاً، ولم تكن كندا أرض الأحلام التي يتخيلها البعض.
وصل إليها وهو يحمل شهاداته اللبنانية وخبرته، لكنه اصطدم بأول حاجز.
الموظف الكندي لم يعترف بشهاداته اللبنانية في الهندسة.
كان يمكن لتلك اللحظة أن تكسر معنويات أي شخص.
لكن داغر لم يرَ فيها نهاية الطريق، بل رأى فيها امتحاناً جديداً.
بدلاً من أن يستسلم، قرر أن يحوّل الإحباط إلى تحدٍّ.
عاد إلى الدراسة، وحصل على شهادته الهندسية البحرية في كندا.
وفي انتظار تحقيق هدفه، عمل في كل ما توفر له من أعمال، من غسل الصحون إلى تنظيف الشبابيك.
لم يعتبر تلك الأعمال إهانة، ولم ينظر إليها باعتبارها أقل من مستواه.
كان يعرف أن العمل، أيّاً كان، أفضل من الاستسلام.
وكان يعرف أيضاً أن الإنسان الذي يريد أن يصل إلى مكان ما، عليه أن يقبل أحياناً بأن يبدأ من الأسفل.
كان يعمل بيديه، فيما كان يحمل في ذهنه هدفاً أكبر.
كان يعرف إلى أين يريد الوصول.
وبالفعل بعدما حصل مجدداً على شهادته الهندسية البحرية، ثم بدأ بإحضار أفراد عائلته تدريجياً إلى كندا.
وهكذا، لم تعد الهجرة بالنسبة إليه رحلة فردية، بل تحولت إلى مشروع عائلي، إلى بيت لبناني جديد في بلاد بعيدة.
في كندا تعرف ميشال إلى ليليان، المرأة الكندية التي أصبحت شريكة حياته.
كانت تدرس المحاماة، لكنه ترك البحر بعد الزواج، وبدأ معها مرحلة جديدة من حياته.
افتتحا مطعماً، ثم عاد داغر إلى لبنان لفترة، قبل أن تعيده الأحداث اللبنانية الى كندا، ولا سيما اغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل
كانت العودة إلى كندا بداية فصل جديد.
فالرجل الذي بدأ حياته المهنية في البحر، والذي أعاد دراسة اختصاصه من جديد، وجد نفسه يدخل عالماً مختلفاً تماماً.
هناك بدأ مرحلة جديدة في عالم الأعمال، فاتجه إلى تجارة العقارات، وحقق نجاحاً كبيراً.
لكن النجاح، كما يقول داغر، ليس دائماً طريقاً مستقيماً.
فالطريق الذي يبدو للآخرين من بعيد طريقاً نحو النجاح، يكون في الحقيقة مليئاً بالتجارب والخسارات والسقوط والنهوض.
وقد تعرّض خلال الأزمة العقارية لخسائر بملايين الدولارات.
كانت ضربة كبيرة، وكان يمكن لها أن تدفعه إلى التراجع أو الإحباط.
لكنه اختار النظر إلى الأمام.
لم يسمح للخسارة بأن تختصر حياته، ولم يجعل المال معياراً وحيداً للنجاح.
يقول:
«لا أتوقف عند ما حصل، بل أشكر الله لأنه أعطاني عائلة وزوجة وأولاداً».
وهذه ربما إحدى أهم سمات شخصيته.
فالنجاح بالنسبة إليه ليس فقط ما يملكه الإنسان، ولا حجم المال الذي جمعه، ولا العقارات التي بناها، بل ما يبنيه حوله من عائلة وقيم ومحبة وعلاقات إنسانية.
تزوج داغر من امرأة كندية، لكن كل من يعرف ليليان يعرف حجم محبتها للبنان.
لم يكن لبنان بالنسبة إليها مجرد بلد زوجها، بل وطن أبنائها أيضاً.
وهنا تتجاوز الحكاية قصة زواج بين رجل لبناني وامرأة كندية، لتصبح نموذجاً لكيف يمكن للبنان أن يدخل إلى بيت لم يولد فيه.
أسست وترأست المؤسسة النسائية اللبنانية الكندية المسيحية لمساعدة لبنان خلال الحرب، وساهمت في مساعدة المعاقين في بيت شباب، وشاركت في نشاطات وجمعيات ومناسبات عدة تهدف إلى مساعدة اللبنانيين.
كان حبها للبنان امتداداً طبيعياً لعائلتها.
فهي، كما يقول داغر، تعرف أن زوجها وأولادها لبنانيون، ولذلك تحترم زوجها وأولادها وتحترم وطنهم.
وهنا تبدو العلاقة اللبنانية–الكندية في أجمل صورها.
ليست علاقة مصالح فقط، ولا علاقة أوراق وجوازات سفر، بل علاقة إنسانية نشأت داخل البيوت والعائلات، وتحولت إلى مؤسسات ومبادرات ومساعدات.
فالوطن، في نهاية المطاف، قد يدخل إلى القلب من خلال شخص نحبه
منذ وصوله إلى كندا، بقي داغر متمسكاً بانتمائه السياسي، ويقول بصراحة إنه ما زال كتائبياً.
لكن عندما يتحدث عن لبنان، يضع انتماءه الوطني في المقدمة.
فيقول :انا كتائبي «وأنا لبناني أولاً، ولبناني ثانياً، ولبناني ثالثاً»…
عبارة تختصر الكثير.
فبعد خمسين عاماً من العيش في كندا، وبعد نجاحات وتجارب وخسائر، لم يتبدل تعريفه لنفسه.
لا يزال يرى نفسه لبنانياً قبل أي شيء آخر.
ويزور لبنان مع بداية كل صيف، وقد اعتاد أن يأتي إليه مع والده، رحمه الله، الذي بقيت ذكراه مرتبطة بالأرض والجذور.
وكأن العودة كل صيف ليست مجرد زيارة، بل موعد سنوي مع الذاكرة.
موعد مع تنورين، ومع الأرض التي خرج منها، ومع الأب الذي رافقه في جزء من الطريق، ومع الجذور التي لم يستطع نصف قرن من الغربة أن يقتلعها.
يقول داغر:«لبنان موطني. أجدادنا جذورهم في تربته، ورائحتهم رائحة البخور، وكل أمنياتهم كانت أن يكونوا في لبنان».
زار داغر دولاً كثيرة في العالم، ورأى مدناً متقدمة، وعاش في بلد كبير مثل كندا، واختبر أنظمة مختلفة وشاهد كيف تُدار الدول وتُبنى المؤسسات.
ومع ذلك، لا يتردد في القول:«بالنسبة إليّ، لبنان أجمل بلد في العالم. لبنان جنة الله على الأرض، من دون مبالغة».
إنه كلام رجل عاش نصف قرن في الخارج.
رجل كان يستطيع أن يقارن، وأن يرى الفارق بين لبنان والبلدان التي عاش فيها، لكنه بقي يرى في وطنه جمالاً لا تستطيع الأرقام ولا الأبنية ولا الطرقات أن تختصره.
فالوطن بالنسبة إلى المغترب ليس دائماً ما تراه العين.
الوطن هو ما يشعر به القلب.
لكنه حزين على لبنان
الحب لا يمنع العتاب.
بل ربما يكون العتاب أقسى عندما يأتي من شخص يحب.
وداغر الذي يحمل لبنان في قلبه، يحمل أيضاً حسرة كبيرة على ما آلت إليه أوضاعه.
ينظر إلى لبنان اليوم بعين المغترب الذي يقارن بين ما شاهده في العالم وما يراه في وطنه.
يتحدث عن الفوضى، وعن تقادم القوانين، وعن الحاجة إلى تحديث الدولة ومؤسساتها، وعن الطرق التي تفتقر إلى الحد الأدنى من السلامة، وعن غياب الرقابة المرورية.
ويقول بحسرة إن قيادة السيارة في لبنان أصبحت مصدر خوف، فيما تتكرر حوادث السير ويسقط الضحايا يومياً.
ثم يسأل:
«أين الدولة؟ وأين شرطة السير؟ وأين المسؤولون عن تطبيق قوانين السير؟»
إنه سؤال لا يخص داغر وحده.
إنه سؤال كل لبناني يريد أن يرى دولته تحميه، وكل أم تخاف على أولادها من الطريق، وكل مغترب يعود إلى وطنه فيجد أن أبسط قواعد السلامة ليست دائماً مضمونة.
ولا يخفي اعتراضه على الضرائب والرسوم الكثيرة التي تثقل كاهل اللبنانيين والمغتربين، كما ينتقد بعض المطاعم والمؤسسات التي تتعامل مع المغترب وكأنه فريسة، فيما هو يأتي إلى لبنان لينفق أمواله على أهله وبلده.
فالمغترب، بالنسبة إليه، ليس شخصاً يجب استنزافه في كل فرصة، بل ابن وطن عاد حاملاً معه تعب سنوات طويلة، ويريد أن يصرف أمواله في بلده، وأن يشعر بأنه موضع ترحيب لا موضع استغلال.
ولأن داغر يرى أن الهجرة المسيحية تشكل خطراً على مستقبل لبنان، يوجه رسالة واضحة إلى الكنيسة المارونية.
يقول إن الكنيسة ليست فقيرة، وإن لديها أملاكاً وطاقات كبيرة، وعليها أن تستثمرها في الإنسان قبل الحجر.
ويطرح فكرة إقامة مجمعات للمغتربين الشباب، توفر لهم الإقامة المجانية أو المدعومة، وتسمح لهم بالتعرف إلى لبنان والتواصل مع وطنهم، بدلاً من أن يبقوا بعيدين عنه حتى تنقطع صلتهم به.
بالنسبة إليه، القضية ليست قضية مساعدات فقط، بل قضية ارتباط.
فالمغترب الذي يجد مكاناً له في وطنه، يعود إليه.
والشاب الذي يتعرف إلى لبنان ويعيش فيه، ولو لفترة قصيرة، تصبح علاقته به أكثر قوة.
إنه يريد أن يرى المغترب الشاب لا كسائح يمر أياماً ثم يغادر، بل كجزء من النسيج اللبناني، كإنسان يمكن أن يبني علاقة طويلة الأمد مع وطنه، وربما يعود إليه يوماً ليستثمر فيه أو يعمل فيه أو يعيش فيه.
يرى داغر أن لبنان ليس فقيراً، وأن ثروته الحقيقية تكمن في طاقاته البشرية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم.
ويشير إلى أن اللبنانيين في الاغتراب يملكون قدرات اقتصادية وعلمية ومهنية هائلة، وأن المطلوب ليس النظر إلى المغتربين فقط كمصدر للتحويلات المالية، بل كجزء أساسي من قوة لبنان ومستقبله.
وللخروج من المأزق الذي يرزح تحته لبنان، يقترح داغر إنشاء هيئة وطنية عليا للاغتراب اللبناني، تضم نخبة من الكفاءات والخبرات اللبنانية المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، بعيداً من الاصطفافات السياسية والطائفية، لتكون جسراً حقيقياً بين لبنان المقيم ولبنان المنتشر.
ويرى داغر أن هذه الهيئة يمكن أن تشكل خزاناً من الأفكار والخبرات والعلاقات الدولية، فتضع أمام الدولة اقتراحات عملية وحلولاً قابلة للتنفيذ في المجالات الاقتصادية والمالية والإدارية والاستثمارية، وتساهم في إعادة بناء الثقة بلبنان وفتح أبواب جديدة أمامه.
فالمغترب اللبناني، في رأيه، لا ينبغي أن يُنظر إليه كمجرد داعم مالي لوطنه، بل كـشريك في إنقاذه ونهوضه، يحمل معه إلى لبنان خبرات عقود من النجاح في دول العالم، وعلاقات واسعة، وأفكاراً حديثة، وقدرة على التواصل مع الأسواق والمؤسسات الدولية.
ويؤكد داغر أن لبنان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من التنظير، بل إلى دم جديد، وعقول جديدة، وخبرات متحررة من الحسابات الضيقة، قادرة على تقديم حلول ناجعة ووضع رؤية واضحة لخروج لبنان من أزمته، وإعادته إلى موقعه الطبيعي بين الدول.
ويقول :لبنان بحاجة الى سلطة رقابية فاعلة من مغتربين ومقيمين ،تراقب وتضبط وتعاقب وتمنع السرقة والصفقات… ويستفيد لبنان عندها من طاقات وتجارب المغتربين في الخارج
ويقول :لسنا بحاجة في لبنان لكل هذه الاحزاب التي تتناحر مع بعضها،لننظر الى تجربة ارقى الدول في الحكم ونقتدي بها…
لقد عاش داغر تجربة العمل السياسي والاغترابي في كندا، وساهم في تأسيس اللوبي اللبناني–الكندي، ويشير إلى أنه ضم في مرحلة من المراحل أكثر من 28 نائباً في البرلمان الفدرالي الذين كانوا أصدقاء للبنان، كما ساهم في إنشاء غرفة الصناعة والتجارة اللبنانية الكندية…
وهو يؤمن بأن العلاقة بين لبنان والاغتراب يجب أن تكون مؤسساتية ومستدامة، لا أن تقتصر على المناسبات والزيارات.
فالمغترب ليس «صرافاً آلياً» للبنان.
إنه طبيب ومهندس ورجل أعمال وأستاذ ومحامٍ ومستثمر وصاحب علاقات دولية، ويمكن أن يكون جسراً بين لبنان والعالم.
وهنا تكمن الثروة التي لا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن استثمارها بالشكل الصحيح.
فلبنان الصغير جغرافياً يملك امتداداً بشرياً هائلاً في القارات الخمس.
ولبنان الذي يعاني من أزماته الاقتصادية والسياسية، يملك في الخارج أشخاصاً ناجحين في أهم الجامعات والمستشفيات والشركات والمؤسسات والأسواق.
المطلوب، كما يرى داغر، ألا يبقى هذا الانتشار مجرد أرقام في إحصاءات الاغتراب، بل أن يتحول إلى قوة فعلية في خدمة لبنان.
يختصر داغر رؤيته بجملة شديدة الدلالة:
«لبنان في الخارج هو مرآة لبنان في الداخل».
وهو يرى أن الطريقة التي يتعامل بها لبنان مع أبنائه المنتشرين تحدد إلى حد كبير مدى استعداد هؤلاء للاستثمار فيه والدفاع عنه ومساعدته.
ويستغرب كيف يمكن لدولة تحتاج إلى كل دولار من أبنائها في الخارج أن تجعل المغترب يشعر بأنه مستهدف بالضرائب والرسوم أو بأنه فريسة سهلة.
فالمغترب، في نظره، يجب أن يشعر بأن وطنه يرحب به، ويحميه، ويشجعه على الاستثمار، ويعتبره شريكاً في بناء المستقبل.
وهذا الشريك لا يريد دائماً شيئاً لنفسه.
هو يريد أن يرى بلده واقفاً على قدميه.
يريد دولة تحترمه، وقوانين واضحة، وإدارة حديثة، وطرقات آمنة، ومؤسسات تعمل، ومناخاً يسمح له بأن يضع خبرته وأمواله وعلاقاته في خدمة وطنه.
فمن الصعب أن تطلب من المغترب أن يستثمر في وطن لا يشعر فيه بالأمان أو بالاحترام.
بعد نحو نصف قرن في كندا، لم يتحول ميشال داغر إلى رجل كندي فقط.
أصبح كندياً في حياته وعمله وعلاقاته، لكنه بقي لبنانياً في ذاكرته ووجدانه.
نجح في كندا، خسر، عاد ونجح من جديد.
واجه الوحدة، وعمل في وظائف متواضعة، وأعاد دراسة اختصاصه، وبنى عائلته، ودخل عالم الأعمال، وأسّس وشارك في مؤسسات تخدم اللبنانيين.
ومع ذلك، بقيت تنورين حاضرة في داخله.
فهو الرجل الذي خرج من عائلة متواضعة، ومن بيت يعرف معنى الأرض والتعب، ليشق طريقه في بلاد بعيدة، من دون أن يقطع الحبل الذي يربطه ببلده الأول.
وربما تختصر قصته معنى الاغتراب اللبناني كله.
نغادر لبنان، لكن لبنان لا يغادرنا.
ننجح في العالم، ونحمل أسماء قرانا ومدننا معنا.
نبني البيوت في كندا وأستراليا وأميركا وأوروبا، لكن في مكان ما داخل كل بيت مغترب، تبقى صورة لبنان معلقة على الجدار.
تبقى صورة الأب والأم.
تبقى صورة القرية.
تبقى رائحة الأرض.
تبقى ذكريات المدرسة والكنيسة والساحة والرفاق.
ويبقى ذلك الحنين الذي لا يعرف الإنسان كيف يشرحه، لكنه يشعر به كلما اقترب موعد العودة إلى لبنان.
ميشال داغر لم يعد ذلك الشاب الذي غادر تنورين في سبعينيات القرن الماضي.
خمسون عاماً مرّت.
تغيّرت البلدان، وتغيّرت التكنولوجيا، وتغيّرت الحياة، وكبر الأبناء، وتبدلت المدن، وسقطت أحلام كثيرة، ونجحت أحلام أخرى.
لكن شيئاً واحداً بقي ثابتاً:
لبنان في داخله.
وهو، رغم كل ما يقوله عن أخطاء الدولة وفوضى المؤسسات والضرائب والرسوم وحوادث السير والهجرة، لا يتحدث عن وطن فقد الأمل به، بل عن وطن يريد له أن يستعيد مكانته.
لذلك ينتقد.
ولذلك يعاتب.
ولذلك يقترح.
ولذلك يريد أن يرى المغتربين شركاء لا مجرد ممولين.
إنها محبة من نوع آخر ، محبة لا تكتفي بالتصفيق للوطن، بل تقول له الحقيقة عندما يخطئ.
وربما لهذا السبب تبدو شهادة داغر مهمة.
لأنه لا يتحدث فقط من موقع المغترب، بل من موقع رجل عاش نصف قرن في بلد آخر، ونجح فيه، وعرف معنى النظام والمؤسسات، ثم عاد إلى وطنه يحمل معه خبرة المقارنة.
ومع ذلك، لم يقل يوماً إن كندا ألغت لبنان من حياته.
على العكس.
كلما ابتعد، بدا لبنان أقرب.
وكلما كبرت المسافة، بقيت الجذور أعمق.
ولهذا يقول ميشال داغر، بعد خمسين عاماً من الاغتراب:«نحن نحب لبنان رغم كل شيء، ونساعده أينما كنا في العالم».
إنها ليست مجرد عبارة.
إنها قصة جيل كامل من اللبنانيين الذين حملوا وطنهم إلى القارات الخمس، ونجحوا في بناء أنفسهم، وحققوا ما لم يستطيعوا تحقيقه في بلدهم، لكنهم ما زالوا ينتظرون من وطنهم أن يعرف كيف يبني بهم مستقبله.
إنها قصة ميشال داغر، ابن تنورين، الذي غادر لبنان منذ نصف قرن، لكنه لم يسمح للغربة أن تنتصر على الذاكرة.
خرج من قرية لبنانية صغيرة إلى عالم واسع، وعمل في البحر، ودرس من جديد، وغسل الصحون ونظف الشبابيك، وبنى عائلة، وخاض غمار الأعمال، ربح وخسر، ثم عاد ووقف من جديد.
لكن، وسط كل تلك الرحلة، بقيت هناك نقطة لم تتغير.
تنورين.
لبنان.
الأرض الأولى.
وطن الأجداد.
وهكذا، بعد خمسين عاماً في كندا، يستطيع ميشال داغر أن يقول بثقة:
غادرت لبنان منذ نصف قرن، لكن لبنان لم يغادرني يوماً…









Total views : 7267255