هنري زغيب
كنتُ خارجَ لبنان يومَ رحل. ولم أَعرف برحيله إِلَّا لاحقًا.
الموجع في غيابه، تذكاراتي عنه ديناميًّا كما لا أَحد.
كان ذلك قبل أَكثر من 45 سنة. وكنتُ في مطلع إِصداري مجلتي الشعرية “الأُوديسيه”، وأُهيِّئُ باسمها “مهرجان الشعر” في كازينو لبنان. جاءني مصاحبًا رفيقة عمره الغالية كلوديا. واتفقْنا على مشاركتها في المهرجان بإِلقائها قصيدتَين. كان مولَعًا بها في وَلَهٍ مزدوج: أَنها رفيقة حياته، وأَنه يهيّئُ لها كلَّ ما يجعل ساطعًا مستقبلَها الأَكاديمي. ولم تخيِّب توقُّعاته، فدخلَت السلْك الجامعي وبرزَت فيه لامعة على المستوى الأَعلى.
وشاء لها منصةً خاصة بها، فأَسَّس “مجلس الفكر”، وبرمَجَ له سلسلة محاضرات أَعادت إِلى الوسط الثقافي في لبنان حيويةً كان يفتقدُها. وباتت الدكتورة كلوديا أَبي نادر اسمًا يطل من معظم المنابر الثقافية في لبنان، وبعضها في الخارج كذلك. وكانت له على زنبقتَيْه بترا وباميلا حنوٌّ كثير جعلهما في سعادة النشأَة التي تشتهيها الصبايا في دفْء الأُسرة.
فخورًا كان بكلودياهُ، وشغوفةً به كانت. تدعمه في أَشغاله، وتجعل من بيته في عبدِلّـي ملتقى معظم المثقَّفين في لبنان.
لم يأْتِ من الوسط الثقافي، لكنه أَصبح ناشطًا فيه منذ أَسَّس “مجلس الفكر”، واستقبل على منبره في بيته (بيت مري) وفي مكتبه (سن الفيل) أَعلام شعر وأَدب وفكر وفلسفة، وبدأَ يُصدر كتبًا تضُمُّ مداخلاتهم ومحاضراتهم، موثَّقَةً لتؤَرِّخَ مرحلة في لبنان الثقافي كانت ضحلة فيها الأَنشطةُ الثقافية.
يبقى حنِّينا أَبي نادر.. يبقى معنا في غيابه، كما كان في حضوره، صديقًا غالي الوفاء.
ومن يأْتي من الوفاء، لا يغيب.
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7267258
