قبل 140 سنة، كان صبيٌّ في العاشرة يَدرُجُ من بيته في الفريكة إِلى دير مار جرجس-بْـحِردُق (صورتُهُ أَعلاه)، أَقام فيه “المعلِّم” نعوم مكرزل مدرسة يختلف إِليها أَبناءُ الفريكة والشاوية وبيت شباب وبعضِ ضواحيها.
وقبل 86 سنة، والصبيُّ ابنُ العاشرة كَبِرَ وهاجر وعاد وأَصبح أَديبًا شهيرًا، كان جمْعٌ من أَهل الأَدب يوارون جثمانه في ضريح الأُسرة تحت دير مار جرجس – بْـحِردُق.
وقبل خمسة أَيام، مسويةَ الأَربِعاء من هذا الأُسبوع في “واحة الراعي الصالح” (باحةٌ على كتف ساحة دير مار جرجس-بْـحِردُق)، كانت باقةٌ من أَهل الأَدب والفن ملتمَّةً لحضور أُمسيةٍ مميَّزةٍ في سياق الاحتفالات بمرور 150 سنة على ولادة ذاك الذي فتح عينيه دراسةً على هذا الدير، وأَغمضَ عينيه جثمانًا في ضريح الأُسرة تحت هذا الدير.
تلك كانت النوستالْجيا مسويةَ الأَربِعاء، ونحنُ في باحةٍ شاعرية، مسَّدَها رئيسُ الدير المونسنيور شربل غصوب كفًّا من بضعة أَمتار مربَّعة، تحرُسُها من الثلاث الجهات صخورٌ دهريةٌ لكلٍّ منها حكاياتٌ ورؤًى.
نُصغي… كنا في خشعة الرهابين نُصغي إِلى الفنان الكبير جهاد الأَطرش يتلو علينا بأَدائه الفريد لآلئَ من كتاب “قلب لبنان”، كأَنْ شاركَتْه في اقتبالها تلك الصخورُ المحيطة، مُرهِفةً نبضَها كي تُتابع معنا كلمات الأَمين تتعالى بنثْر من حجم الشعر لوصف رحلاته في دساكر لبنان، تاركًا لنا فيها ذُخرًا يُحبِّبُنا بوطننا الفريد، عطيةِ الله لنا على الأَرض. وبين محطةٍ وأُختِها من “قلب لبنان”، كانت الصبية سيسيل كلَّاب “تُرَحبِنُنا” بميلودياتٍ جميلةٍ من إِبداعات عاصي ومنصور.
وفي كلمة ختامية وجيزة، كَبْسَلَ لنا الصديق أَمين أَلبرت الريحاني تاريخَ وضْع الكتاب غيرِ المكتمل، أَصدره الوفيُّ أَلبرت الريحاني كما هو، بِــرًّا بشقيقه الأَمين.
هكذا يخلُد المبدعون بِمن يواصل صداهم بعدما ينكفئُ الصوت. واحتفالاتُ الذكرى الخمسين بعد المئَة أَحيَت صدى الأَمين الكبير بهندسةٍ تمتد حتى مطلع العام المقبل، رسمَها أَمين أَلبرت الريحاني وينفِّذها هنا مع شقيقه سرمد، ومن الهناك البعيد في واشنطن بدعمٍ من شقيقته مي وشقيقه رمزي. هنيئًا للريحاني بهم وبهذا الوفاء.
أَبناءُ أَلبرت الريحاني الأَربعة، يواصلون التراث، مِثالًا لكلِّ جيلٍ ثانٍ يُبْقي حيًّا مبدعَ الجيل الأَول، في إِبداعه الأَول، وقد تصدف أَن يكون أَيضًا في مَربَعه الأَول، كما حالُ طفولةٍ ومثوًى في دير مار جرجس-بْـحِردُق وهو يُخاصرُ المتحف في الفريكة، ومعًا يعانقان ذكرى خالدٍ ساطعٍ من لبنان: أَمين الريحاني.
هـنـري زغـيـب
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7267259
