سيدني – الحاضر نيوز
في أمسيةٍ حملت عبق الزمن الجميل، واختصرت خمسة عشر عاماً من العمل الثقافي والفني والتربوي، احتفلت مؤسسة «ميراث في البال» (Mirath in Mind Inc.) بختام فعاليات الذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها، في حفل فني كبير أقيم مساء الجمعة 25 أيلول/سبتمبر 2026 على مسرح Bankstown Sports Club في سيدني، وسط حضور دبلوماسي لبناني–مصري، ورسمي أسترالي، إلى جانب شخصيات ثقافية وإعلامية وفنية وجمهور من أبناء الجالية.

شكّل الحفل محطة ختامية لمسيرة بدأت عام 2011، حملت خلالها «ميراث في البال» رسالة تقوم على صون اللغة والثقافة والذاكرة الفنية، ونقلها إلى الأجيال الجديدة في أستراليا، انطلاقاً من شعار الذكرى الخامسة عشرة:

«متجذّرون هنا… وننمو معاً – Rooted Here, Growing Together».

وكان للحضور الرسمي والدبلوماسي وقع خاص في هذه المناسبة، حيث التقت في سيدني رمزية لبنان ومصر وأستراليا، في مشهد يعكس الدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة في مدّ الجسور بين المجتمعات. كما شارك في المناسبة النائب عن بانكستاون والوزير في حكومة نيو ساوث ويلز جهاد ديب، مؤكداً بحضوره أهمية المبادرات الثقافية التي تجمع مكوّنات المجتمع الأسترالي المتعدد الثقافات.

من صباح وفيروز إلى أم كلثوم… رحلة في ذاكرة الفن العربي

لم يكن الحفل مجرد مجموعة من الأغنيات المتعاقبة، بل جاء على شكل رحلة فنية استعادت محطات من الذاكرة الموسيقية العربية، من لبنان إلى مصر، ومن الأغنية الشعبية والتراثية إلى القصيدة والأغنية الكلاسيكية.

وتوالت على المسرح لوحات وأغانٍ من أعمال كبار الفنانين الذين تركوا بصمتهم في وجدان أجيال كاملة، من صباح وفيروز ووديع الصافي وطوني حنا وماجدة الرومي وأميمة الخليل، وصولاً إلى مصر مع شريفة فاضل، قبل أن تبلغ الأمسية إحدى أبرز محطاتها مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم.

وهكذا تحوّل المسرح إلى مساحة لقاء بين أزمنة ومدارس موسيقية مختلفة؛ بين الأغنية اللبنانية بخصوصيتها ولهجاتها وألوانها، وبين المدرسة المصرية التي أغنت الموسيقى العربية وأثّرت في أجيال من الفنانين في مختلف أنحاء العالم العربي.

مسابقة «صوت أم كلثوم»… والتحدّي أمام إرث كوكب الشرق

ومن أبرز محطات الحفل مسابقة الصوت الخاصة بالسيدة أم كلثوم، التي أتاحت للمشاركين خوض تجربة فنية ليست بالسهلة، لما يتطلبه غناء أعمال كوكب الشرق من قدرة صوتية، وإحساس بالكلمة، وتحكّم بالمقامات والإيقاع، وحضور على المسرح يحترم روح العمل الأصلي من دون أن يلغي شخصية المؤدي.

وبعد الاستماع إلى المشاركات وتقييمها، جاءت النتائج على الشكل الآتي:

المرتبة الأولى: فادي مبيّض
المرتبة الثانية: ياسمين حبّابه
المرتبة الثالثة: طوني شماميان
المرتبة الرابعة: طوني تابت

ولم تكن المسابقة بحثاً عن تقليد صوت أم كلثوم بقدر ما كانت تحية فنية إلى إرثها، وفرصة لإعادة تقديم هذا التراث أمام جمهور يعيش بعيداً آلاف الكيلومترات عن القاهرة وبيروت، لكنه لا يزال يحمل موسيقاه ولغته وذاكرته معه في أستراليا.

حين تلتقي بيروت بالقاهرة في سيدني

حمل الحفل في عمقه رسالة تتجاوز حدود الغناء والترفيه. فالعلاقة الفنية بين لبنان ومصر لم تبدأ اليوم؛ لطالما شكّلت القاهرة مساحة احتضان وإبداع لعدد كبير من الفنانين والموسيقيين والممثلين والمخرجين اللبنانيين، فيما كانت بيروت بدورها منبراً عربياً للفن والصحافة والمسرح والموسيقى، واستقبلت كبار فناني مصر وفي مقدمتهم أم كلثوم.

ومن هنا جاء الاحتفاء بكوكب الشرق في الذكرى الخامسة عشرة لـ«ميراث في البال» امتداداً لذاكرة عربية مشتركة، ورسالةً تقول إن الفن قادر على تجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، وأن ما جمع بيروت والقاهرة في الماضي يمكن أن يجد اليوم مساحة جديدة للحياة في سيدني.

وقد اكتسب هذا المعنى بعداً إضافياً مع الحضور الدبلوماسي اللبناني والمصري والرسمي الأسترالي، ليصبح المسرح مساحة لقاء حقيقية بين ثلاثة أوطان وثلاثة فضاءات ثقافية: لبنان ومصر وأستراليا.

خمسة عشر عاماً… والعمل مستمر

وبالنسبة إلى مؤسسة «ميراث في البال»، لم تكن الأمسية مجرد احتفال بمرور خمسة عشر عاماً، بل وقفة وفاء لكل من ساهم في بناء هذه المسيرة: المدارس والطلاب، الفنانون والموسيقيون، المدرّسون والمدرّبات، المتطوعون والأهل، الحكّام والداعمون والرعاة، وكل من آمن بأن الحفاظ على التراث لا يعني إبقاءه في الماضي، بل إعطاءه مكاناً في حياة الجيل الجديد.

فمنذ انطلاقتها عام 2011، سعت المؤسسة إلى أن تكون الثقافة جسراً لا حاجزاً، وأن يلتقي على منصاتها الصغار والكبار، والهواة والمحترفون، وأن تصبح اللغة والموسيقى والمسرح والفنون أدواتٍ لتعزيز الانتماء والتواصل داخل المجتمع الأسترالي المتعدد الثقافات.

واختُتمت الأمسية على وقع التصفيق والامتنان، بعد ليلة أعادت إلى الذاكرة أصواتاً وألحاناً من زمن جميل، لكنها في الوقت نفسه نظرت إلى المستقبل.

خمسة عشر عاماً مضت، لكن الرسالة مستمرة: أن نحفظ ما ورثناه، لا لنعيش في الماضي، بل لنمنحه حياةً جديدة في المكان الذي أصبح وطناً لنا ولأبنائنا.

ميراث في البال – 2011–2026
متجذّرون هنا… وننمو معاً.
Rooted Here, Growing Together.

شاديا الحاج حجّار
المؤسِّسة والمديرة الفنية
Mirath in Mind Inc.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569113
Total views : 7272396