تحيّة من القلب إلى شباب «ميراث في البال»… جيل يحمل التراث بصوته ووجدانه

ليست قيمة المشاركة الفنية في جمال الصوت وحده، ولا في إتقان الأداء على خشبة المسرح فحسب، بل في تلك الحماسة الصادقة التي يحملها شبابنا وشاباتنا، وفي شغفهم باكتشاف جذورهم الثقافية، واعتزازهم بلغتهم، وإصرارهم على أن يكونوا جزءاً من مشروع فني وثقافي يجمع الأجيال ويصل الماضي بالحاضر.

تحيّة من القلب والوجدان إلى الشابة ماريسا بشارة، التي وقفت على خشبة مسرح نادي بانكستاون الرياضي، خلال الاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة لتأسيس جمعية «ميراث في البال»، لتقدّم وصلتها الغنائية بكل حماسة وثقة.

لكنّ عطلاً تقنياً مفاجئاً في جهاز الصوت أربك اللحظة، وأثار بعض التململ في القاعة. غير أنّ ماريسا لم تسمح لهذا العارض بأن يُطفئ حماستها أو يُضعف عزيمتها، بل واصلت الغناء رغم صمت الميكروفون، بروح إيجابية وشجاعة لافتة، فما كان من الجمهور إلا أن تجاوب معها بالغناء والتصفيق، محوّلاً لحظة الارتباك إلى لحظة تضامن إنساني وفني جميلة.

لقد صمت الميكروفون، لكنّ صوت الإرادة لم يصمت!

ولماريسا مشاركة أخرى لا تقلّ جمالاً، حين أطلّت في احتفالنا المدرسي في الثاني من أيلول، وقدّمت مع زميلها إلياس خضرا أغنية «بويا بويا» لنصري شمس الدين ونوال الكك، من مسرحية «لولو»، مستعيدةً مع زميلها شيئاً من ذاكرة المسرح الغنائي اللبناني الأصيل.

إنّ ما نراه في حماسة هؤلاء الشابات والشباب، وفي اندفاعهم إلى المشاركة في التمارين الصوتية والبروفات والعروض الفنية، يتجاوز بكثير حدود الحفل والمسابقة والتصفيق.

فنحن لا نعمل على إعداد أصوات جميلة فحسب، بل نسعى إلى إيقاظ ذاكرة ثقافية، وتعزيز شعور بالانتماء، وفتح نافذة أمام جيل وُلد أو نشأ بعيداً عن أرض الأجداد، ليكتشف غنى تراثه الفني واللغوي ويعتزّ به.

وحين يختار شاب أو شابة أن يتعلّم أغنية من تراث فيروز أو صباح أو وديع الصافي أو نصري شمس الدين أو أم كلثوم، فإنّه لا يحفظ كلماتٍ وألحاناً وحسب، بل يقترب من تاريخ كامل، ومن وجدان شعب، ومن لغة تحمل في مفرداتها وألحانها حكايات الأهل والأجداد.

وهنا تكمن الرسالة الحقيقية لمشروع «ميراث في البال».

إنّ إقبال الشباب على الانضمام إلى مشروعنا، واستعدادهم لتخصيص الوقت والجهد للتدريب والتعلّم والمشاركة، هو في حدّ ذاته شهادة حيّة على أهمية هذه المبادرة الثقافية، وعلى الحاجة إلى مساحات تحتضن طاقاتهم وتمنحهم فرصة التعبير عن هويتهم من خلال الفن.

ولعلّ أجمل ما حقّقناه خلال خمسة عشر عاماً ليس عدد الحفلات التي أقمناها، ولا عدد المشاركين الذين اعتلوا مسارحنا، بل تلك البذور التي زرعناها في نفوس الشباب، وتلك الروابط التي نسجناها بينهم وبين لغتهم وثقافتهم وتراثهم الفني الغني.

فالثقافة لا تُصان بالشعارات وحدها، والتراث لا يبقى حيّاً في الكتب والأرشيف فقط، بل يتجدّد حين تتناقله الأجيال، وتُعيد تقديمه بأصواتها وأحاسيسها ورؤيتها الخاصة.

إلى ماريسا بشارة، وإلى كل شابة وشاب شارك معنا، وتدرّب، وتعلّم، واجتهد، وتجاوز الصعوبات:

أنتم لستم مجرّد مشاركين في حفلات «ميراث في البال»، بل أنتم شركاء حقيقيون في صناعة رسالتها واستمرارها.

بكم يكبر المشروع، وبحماستكم تتجدّد رسالته، وبأصواتكم يبقى تراثنا نابضاً بالحياة.

فأنتم الميراث… وأنتم المستقبل.

وما أجمل أن نرى جذورنا الثقافية تنمو وتزهر على أرض أستراليا، في وطن يحتضن التعدّدية ويمنح ثقافاتنا فرصة اللقاء والتفاعل والإبداع.

«ميراث في البال» — متجذّرون هنا… ننمو معاً.

مع محبتي وتقديري واعتزازي بكل شاباتنا وشبابنا،

شاديا الحاج حجّار
المؤسِّسة والمديرة الفنية
جمعية ميراث في البال – سيدني
2011–2026

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569113
Total views : 7272396