بقلم نبيل حرب

الغلاء لمن لا يفهم ماذا يعني الغلاء، أو لمن يجلس خلف المكاتب المكيفة، ويعيش بعيداً عن وجع الناس، ليس مجرد ارتفاع في الأسعار، ولا أرقاماً تتبدل على لوحات المحروقات، ولا جداول تُناقَش في الاجتماعات الرسمية. الغلاء وجع يومي، وكرامة تُستنزف، وأحلام تُدفن، وبيوت يهددها العوز، وأطفال يدفعون ثمن سياسات لم يشاركوا في صنعها.

الغلاء هو أن ينام طفل جائعاً، لأن أباه لم يعد يملك ثمن العشاء.

الغلاءهو أن يمرض إنسان، فيؤجل شراء دوائه، أو يكتفي بنصف الجرعة، لأن ثمن العلاج يفوق قدرته، وأن يقف على أبواب المستشفيات عاجزاً عن الدخول، وكأن الاستشفاء حق للأغنياء، أما الفقراء فعليهم أن يتصالحوا مع المرض، وربما مع الموت، لأن جيوبهم فارغة…

الغلاء هو أن يبيع الأب أثاث منزله قطعة بعد قطعة، وأن تبيع الأم ما ورثته عن أهلها، من ذهب وذكريات، لتدفع أقساط المدرسة والجامعة، أو لتؤمّن الطعام والدواء.
الغلاء هو أن يبيع الإنسان بيته، بيت العمر وذكريات الآباء والأجداد، كي يعلّم أولاده ويمنحهم فرصة في الحياة، ثم يجد نفسه بعد سنوات من التعب عاجزاً عن تأمين سقف يسكنه.

الغلاء هو أن يستأجر المواطن منزلاً، ثم يقف حائراً أمام موعد استحقاق الإيجار، وأن تتراكم عليه الديون، وأن يطرق أبواب الأقارب والأصدقاء، لا طلباً للترف، بل هرباً من العوز والإذلال…
الغلاء هو أن يفكر الأب طوال الليل، لا في مشروع جديد، ولا في رحلة مع عائلته، بل في سؤال واحد ينهش قلبه: كيف سأدبّر مصاريف أولادي غداً؟

هذا هو الغلاء الذي لا تراه الأرقام، ولا تنقله البيانات الرسمية، ولا يشعر به من لم يختبر يوماً مرارة العجز أمام حاجات عائلته.

الغلاء حين ترتفع أسعار البنزين والمازوت والغاز، لا تتوقف الحكاية عند مضخة الوقود. فالمحروقات شريان الحياة الاقتصادية، وكل زيادة فيها تنتقل إلى النقل، وإلى الخبز، والخضار، والمواد الغذائية، والأدوية، وكلفة الإنتاج والتوزيع، حتى تصبح كل سلعة في السوق شاهداً جديداً على اتساع رقعة الغلاء.

يرتفع البنزين، فترتفع كلفة انتقال الموظف إلى عمله، والعامل إلى ورشته، والأستاذ إلى مدرسته، والطالب إلى جامعته. ويرتفع المازوت، فتزداد أعباء أصحاب المولدات، وتثقل فواتير الكهرباء كاهل الأسر، وتصبح ساعات الإنارة عبئاً إضافياً على راتب لم يعد يكفي أصلاً للحاجات الأساسية.
الغلاء هو أن يخرج العامل من منزله فجراً، ويعود مساءً منهكاً، ليكتشف أن أجر يومه بالكاد يكفي بدل النقل والطعام، وربما لا يكفيهما. هو أن يعمل الموظف طوال الشهر، ثم يقبض راتباً يتبخر قبل أن يصل إلى منتصفه، وأن يجد المتقاعد نفسه بعد ثلاثين أو خمس وثلاثين سنة من الخدمة، عاجزاً عن تأمين أبسط مقومات العيش الكريم.
أي عدالة اجتماعية هذه، حين يصبح العمل عاجزاً عن حماية صاحبه من الفقر؟
الغلاء هو أن يحمل الطفل إلى مدرسته سندويشاً من الخبز والزيت والزعتر، أو يكتفي بما تيسّر، فيما يحمل زملاؤه وجبات متنوعة. وليس العيب في الخبز والزعتر، بل في أن يُحرم طفل من غذاء كافٍ، أو من حقه في التعلم واللعب والعيش بكرامة، لأن عائلته عاجزة عن تلبية احتياجاته.

الغلاء هو أن نرى أطفالاً في الشوارع يتسولون حفنة من الليرات، لا لأنهم اختاروا التسول، بل لأن الفقر دفعهم إلى مواجهة الحياة قبل أوانها. وهو أن يعمل طفل في ورشة أو محل، أو في أعمال شاقة وخطرة، بدلاً من أن يكون على مقعد الدراسة، لأن عائلته لم تعد قادرة على تأمين لقمة العيش.

أي مستقبل نبنيه إذا كان أطفالنا يتركون مدارسهم للعمل؟ وأي وطن نحلم به إذا كان الفقر ينتزع الطفولة من أصحابها، ويحوّل الصغار إلى معيلين لعائلات أنهكها العوز؟

أما الشاب الذي يتخرج من الجامعة، بعد أن تكون عائلته قد أنفقت مدخراتها وربما باعت ما تملك لتأمين تعليمه، فيجد نفسه بلا فرصة عمل، أو أمام راتب لا يكفيه بدل النقل والطعام، فماذا يبقى له من الحلم؟ وكيف نطلب منه أن يبني مستقبله، فيما أبواب الحياة تضيق أمامه؟

إنه الغلاء الذي يدفع شبابنا إلى البحث عن مستقبلهم خلف البحار، لا حباً بالابتعاد عن وطنهم، بل بحثاً عن فرصة تحفظ كرامتهم، وعن راتب يتيح لهم العيش، وعن دولة لا تجعل الهجرة شرطاً للنجاح.

وهناك حكايات أخرى لا تقل وجعاً: شاب وفتاة تعاهدا على الزواج منذ أيام الدراسة الثانوية، وكبرا معاً، وحملا أحلامهما سنوات طويلة، لكنهما لم يتمكنا من شراء منزل أو حتى استئجاره، لأن الإيجارات والتكاليف تلتهم دخلهما. وهكذا يؤجلان الزواج، وربما يتخليان عن حلم تكوين عائلة، لا بسبب غياب الحب، بل لأن الغلاء بات أقوى من الحب …

الغلاء هو أن تقضي عائلة فصل الشتاء في منزل جبلي بارد، عاجزة عن شراء المازوت أو الحطب، وأن تضطر إلى تقنين التدفئة، ولو كان في البيت أطفال أو مسنون.
الغلاء هو أن تقف نساء أمام محال الذهب، يبعن ما بقي من حليّهن بأبخس الأسعار، لا رغبة في التخلي عن ذكرياتهن، بل لإنقاذ عائلاتهن من ضائقة خانقة.
وهو أن تضطر امرأة إلى قبول ظروف مهينة، أو أن تُستغل في ضعفها، أو أن تُدفع إلى خيارات قاسية تمس كرامتها، لأنها لا ترى أمامها طريقاً آخر لإطعام أطفالها. والفقر لا يبرر استغلال الإنسان، بل يفضح مجتمعاً يسمح بأن تصبح الحاجة وسيلة للابتزاز والإذلال.

الغلاء هو أن تتراكم الديون فوق الديون، وأن تصبح الاستدانة أسلوب حياة، لا حالة طارئة. يستدين المواطن لشراء الدواء، ويستدين لدفع الإيجار، ويستدين لتعليم أولاده، ثم يستدين ليسدد دينه السابق. وفي النهاية، من أين يأتي بالمال، إذا كان دخله لا يكفي حاجاته الأساسية، فكيف يمكنه أن يسدد ما اقترضه؟
أين الدولة؟ وأين العدالة؟
لا يمكن تحميل المواطنين وحدهم مسؤولية مواجهة هذه الأزمة، ولا يجوز مطالبتهم بمزيد من الصبر، فيما تتآكل قدرتهم على الاحتمال. فالدولة ليست مجرد مؤسسات ومكاتب وبيانات، وليست سلطتها محصورة في فرض الضرائب والرسوم وتحصيل الفواتير. الدولة مسؤولية، ورعاية، وعدالة، وحماية للناس، وخصوصاً للفئات الأكثر ضعفاً.
من واجب الدولة أن تضع سياسات تحد من الأعباء المعيشية، وأن تراقب الأسواق وتمنع الاحتكار والتلاعب، وأن تضمن الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، وأن تعالج أزمة الكهرباء والمياه والنقل العام، وأن تحمي حقوق العمال والمتقاعدين، وأن تضمن وصول المرضى إلى العلاج، والأطفال إلى التعليم، والعائلات إلى الغذاء.
ومن واجبها أيضاً أن تراجع أثر الضرائب والرسوم على ذوي الدخل المحدود، وأن تجعل الأجور والتعويضات أكثر قدرة على مواجهة كلفة المعيشة، لا أن تترك المواطنين وحدهم في مواجهة سوق لا ترحم، وفواتير لا تنتظر، ودخل لا يكفي.
لا نريد وعوداً موسمية، ولا تصريحات تخفف وقع الأزمة لساعات ثم تعود الحياة لتكذّبها. نريد إجراءات واضحة، وقرارات قابلة للتنفيذ، ومحاسبة لمن يقصّر أو يستغل حاجة الناس، وخطة اقتصادية تضع الإنسان في قلب الأولويات.
فليس مقبولاً أن تتحول الحاجات الأساسية إلى امتيازات، وأن يصبح العلاج للأغنياء، والتعليم الجيد للقادرين، والتدفئة للميسورين، فيما يُترك الفقراء لمصيرهم.
كيف تطلبون من شعب أنهكه الغلاء أن يكون مطمئناً إلى مستقبله؟ كيف تطلبون منه أن يثق بسلطة لا يشعر بوجودها حين يمرض، ولا يجدها حين يعجز عن دفع فاتورة الكهرباء، ولا تنصفه حين يتآكل راتبه، ولا تفتح أمام أولاده أبواب العمل؟
كيف تطلبون من أب لا يستطيع تأمين الطعام لأطفاله أن يبني دولة؟ وكيف تطلبون من أم تحرم نفسها لقمة لتطعم أولادها أن تصدق الوعود التي لا تتحول إلى أفعال؟ وكيف تطلبون من شاب فقد الأمل بوطنه أن يربط مستقبله بأرض لا تمنحه فرصة للعيش الكريم؟
إن الوطنية ليست خطاباً يُلقى من على المنابر، ولا نشيداً نردده في المناسبات. الوطنية شعور بالانتماء، وهذا الشعور يحتاج إلى عدالة، وإلى كرامة، وإلى دولة تحترم مواطنيها وتؤمن لهم الحد الأدنى من مقومات الحياة.
فلا تطلبوا من الناس أن يحبوا وطناً يشعرون فيه بأنهم متروكون لمصيرهم، بل أعيدوا إليهم أسباب الثقة به. لا تطلبوا منهم التضحية وحدهم، فيما لا يرون نتائج تضحياتهم في حياتهم اليومية. ولا تجعلوا الفقير متهماً بقلة الصبر، فيما هو يقاوم كل يوم كي لا يسقط.
إن صبر الناس ليس تفويضاً مفتوحاً، ووجعهم ليس أمراً يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية.
قد يسكت الفقير لأنه لا يريد أن يعرّض عائلته لمزيد من المتاعب، وقد يصمت العامل لأنه يخشى خسارة عمله، وقد يتحمل المتقاعد لأنه لا يملك خياراً آخر. لكن الصمت لا يعني الرضا، والاحتمال لا يعني أن الجرح التأم، والخوف على لقمة العيش لا يعني أن الكرامة ماتت.
وحين تتراكم الأوجاع، وتُغلق الأبواب، وتفقد الوعود قيمتها، يصبح الاحتقان الاجتماعي خطراً حقيقياً لا يجوز الاستهانة به. وليس المطلوب انتظار الانفجار، ولا التلويح به، بل العمل قبل فوات الأوان، لأن الحكمة السياسية والاجتماعية تقتضي معالجة أسباب الغضب قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
يا أصحاب القرار، انزلوا من مكاتبكم إلى الشوارع، اقتربوا من البيوت التي أنهكها العوز، اسمعوا أنين العمال والمتقاعدين، واسألوا الأمهات كيف يدبّرن مصاريف أولادهن، وكيف يواجهن فواتير الكهرباء والمياه والدواء والتعليم. عندها فقط ستعرفون أن الغلاء ليس رقماً في نشرة أسعار، بل حياة كاملة تتداعى تحت وطأة العجز.
فالغلاء ليس أن ترتفع الأسعار فحسب، الغلاء الحقيقي أن يصبح الإنسان عاجزاً عن تأمين أبسط حقوقه، وأن يفقد الأمل بأن الغد سيكون أفضل من اليوم.
نقولها بوضوح: لا يمكن بناء وطن بأناس جائعين، ولا إقامة دولة على أكتاف عمال مسحوقين، ولا صناعة مستقبل بأطفال محرومين وشباب يهاجرون ومتقاعدين ينتظرون حقهم.
الوطن الذي لا يحمي كرامة مواطنيه، ولا يصون حقهم في العيش الكريم، يعرّض الثقة به للتآكل، مهما كثرت الشعارات والخطب.
أنقذوا الناس من الغلاء قبل أن يقضي الغلاء على ما بقي لهم من أمل. فالجائع يحتاج إلى رغيف، والمريض إلى دواء، والعامل إلى أجر عادل، والطفل إلى مدرسة، والشاب إلى فرصة، والمواطن إلى دولة يشعر بأنها دولته، لا عبء إضافيّاً على حياته.
هذه ليست مطالب ترف، ولا شعارات سياسية. إنها حقوق الناس، وسبب وجود الدولة، والحد الأدنى من العدالة التي لا يجوز أن يُحرم منها أي إنسان.
وإلا، فماذا يبقى من الوطن، حين يصبح العيش فيه معركة يومية من أجل البقاء؟

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569113
Total views : 7272396