قائد الفرقة الرابعة الأميركية في اجتماع له مع “فريق الأركان” العراقي لاقليم كردستان في العام ٢٠١١ قال في مداخلة له ” انتظروا تغييرات جوهرية في المنطقة في العام ٢.٢٥ تحضّر لها الولايات المتحدة الأميركية”. ينقل هذه المعلومة ضابط عراقي برتبة لواء ركن كان حاضرا الاجتماع. ويعزز ذلك بسقوط درامي للنظام السوري في العام ٢٠٢٥ وبالتخلي عن رئيسه الدكتور بشار الأسد وتراجع الفكرة القومية وصعود الحسابات الطوائفية. ومن ثم شنّ حربين أميركيتين على ايران بمشاركة اسرائيلية وتوسيع الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب اللبناني وسوريا وقضم غزة وسياسات العقاب الجماعي فيها وتنامي ظاهرة الاستيطان في الضفة الغربية ومحيط القدس الشرقية.
ومعنى ما ينقله اللواء الركن العراقي أن الحرب على ايران هي جزء من مخطط أميركي أبعد من حسابات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي ترتبط بمفهوم “الصفقة” وتوسيع النفوذ الاقتصادي والتجاري والسياسي في المنطقة. وقد يكون في الأساس إحداث التغيير الجوهري في المنطقة الذي تكلم عنه قائد الفرقة الرابعة الأميركية لا يرتبط بالضرورة بحرب أميركية على ايران. وإنما بدفع دول الشرق الأوسط بما فيها العربية تحديدا إلى نوع من التوترات الداخلية العنيفة كما جرى في سوريا وهي “توترات ممكنة” بحكم “البنية الهشة” للمجتمعات الأهلية في ظل أنظمة عسكرية أو توتاليتارية متسلطة على شعوبها وغير ديموقراطية وغير منفتحة على “الداخل”.
واقع الأمر انجرف الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى حرب مع ايران مستهينا بقدرتها العسكرية وبتماسكها الداخلي و”بإسقاط” ما جرى في فنزويلا من إنزال عسكري وخطف للرئيس مادورو على الواقع الايراني باغتيال المرجع الروحي السيد علي خامنئي والتصفية العسكرية لما يسميه ترامب المستوى الأول والثاني للقيادة الايرانية. وسوء التقدير من سيد البيت الأبيض للوضع الايراني استدرجه إليه رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يعتبر ايران “حجر عثرة” وعائق أمام مد النفوذ الاسرائيلي إلى عمق الداخل العربي وأنظمته.
وهنا أيضا كان سوء تقدير من الجانب الاسرائيلي الذي راهن على سقوط النظام الايراني بفترة قصيرة وعلى تفكيك “الداخل الايراني” عبر تحريك معارضات مسلحة من “مجاهدي خلق” والأكراد و”جيش العدل” ومجموعات مسلحة في خوزستان إضافة إلى شبكة الموساد الايرانية.
لكن الغائب الأكبر في الحسابات الأميركية والاسرائيلية أن ايران تستند إلى “تاريخ دولة” يرجع إلى آلاف السنين وإلى حضارة عميقة وإلى امبراطورية فارس. وكل ذلك انتهى بولادة مشاعر فارسيّة ترتبط بجغرافيا بلدها وتقدّس مفهوم السيادة بعد مزاوجة القيادة الايرانية بين بعدين: البعد الديني والبعد القومي الفارسي مضافا إلى ذلك احترام باقي المكوّنات والاتنيّات في إطار البعد الوطني. إذ ليس من قبيل المصادفة أن معارضين كثر للنظام الايراني مبدئيا ويقيمون في الخارج وحتى في الولايات المتحدة الأميركية عبّروا عن مشاعرهم بالاعتراض على الحرب الأميركية على ايران باعتبارها اعتداءاً على سيادة بلدهم. حتى أن باحثة ايرانية في أحد مراكز الأبحاث الأميركية كانت أكثر إقناعا بالدفاع عن ايران وقيادتها الحالية من كثيرين يعملون في الاعلام الايراني أو مؤيّدين له وحتى في المجال السياسي. وبالطبع تلك الباحثة الايرانية المشار إليها حرّكتها مشاعر وطنية وقومية وارتباط بالأرض ومثلها الكثير من المعارضين الايرانيين في الأساس.
لا شك أن الرئيس الايراني الدكتور مسعود بزشكيان محيط بعمق بالسياسة الأميركية. ويعرف كيف يناور ويوصل “رسائله” إلى الرأي العام الأميركي. ففي الوقت الذي يعتبر فيه الرئيس ترامب أن هدفه الأساسي هو الحؤول دون امتلاك ايران لقنبلة نووية. فإن الرئيس الايراني يدعوه إلى اعتماد سياسة الحوار بدلا من اعتماد سياسة القوة في التعامل مع طهران. مع تأكيده بأن ايران لا تسعى لسلاح نووي. وكلام بزشكيان هذا يترافق مع معلومات عن مناقشة ترامب لسيناريوهات عسكرية لاستئناف القتال وعن إشادة بنتنياهو وبالشراكة العسكرية الناجحة بين الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل.
في كلام الرئيس الايراني الدكتور مسعود بزشكيان يلمس المراقب والمتابع الحرص على الحل الديبلوماسي وإيجاد المخارج الواقعية لكل من واشنطن وطهران. ولعل إشارات الرئيس ترامب إلى أنه يبحث مع روسيا والصين في تقليص الترسانة النووية والانتشار النووي ما يوحي في عودته لتغليب خيار “أميركا أولا” على خيار الحرب. فلروسيا والصين حرص على ايران خصوصا أن الرئيس بوتين يقرّب المسافات بين واشنطن وطهران ويراهن على تغيير إيجابي في الموقف الأميركي من بوابة الحرب الروسية-الأوكرانية الموصولة واقعيا بالحرب الأميركية-الايرانية.
تشخيص الرئيس بزشكيان واقعي وعلمي ومرن ومنتج في الوقت نفسه. ومطفئ للحرائق في أكثر من مكان في الشرق الأوسط.
عبد الهادي محفوظ

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569360
Total views : 7272806