بقلم نبيل حرب

ليس كلُّ مَن يملأ الشوارع مشاغبًا، وليس كلُّ مَن يحرق إطارًا يعبّر عن قضية عادلة. لكن السؤال الأهم: ما الذي يدفع مئات الآلاف إلى النزول إلى الشوارع في بلدٍ يُعدّ من الدول الكبرى، ويتمتّع بمؤسسات ديمقراطية عريقة، ويُفترض أن تكون فيه كرامة الإنسان وحقوقه في صدارة الأولويات؟

سأحاول في هذا المقال ان اعرض لأهم الاسباب التي ادت الى التظاهرات بأسلوب مبسط …ما يجري في باريس ومدن فرنسية أخرى ليس مجرّد تظاهرة عابرة، ولا يمكن اختصاره بصور الحرائق والمواجهات مع الشرطة. إنّه تعبير عن غضب اجتماعي تراكمت أسبابه، حتى لم تعد الوعود السياسية وحدها قادرة على إخماده.

ولكي نفهم لماذا انتفض الفرنسيون، علينا أن نقرأ ما وراء المشهد، وأن نسمع ما يقوله المواطن الذي يخرج من منزله كل صباح بحثًا عن لقمة عيشه، والطالب الذي يخشى على مستقبله، والعامل الذي يكتشف أن راتبه لم يعد يكفيه، والأسرة التي باتت تحسب حساب كل فاتورة…وبالتأكيد هناك من يستغل هذه التحركات لتنفيذ اجندات معينة خارجة عن اهداف الثورة الحقيقية…

أولًا: الغلاء الذي يلتهم الرواتب

السبب الأول الذي يفسّر اتساع الغضب الشعبي هو ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية…في ظل تنامي الدين العام على الدولة

فالمواطن لا يعيش على الأرقام التي تعلنها 2الحكومات، ولا على المؤشرات الاقتصادية التي تتباهى بها البيانات الرسمية. إنّه يعيش من راتبه، ويدفع ثمن الوقود والكهرباء والتدفئة والغذاء والإيجار والنقل والدواء.

وحين ترتفع هذه الأكلاف بوتيرة تفوق قدرة الأجور على اللحاق بها، تبدأ الأسرة بالتخلّي عن بعض احتياجاتها، ثم عن بعض ما كانت تعتبره من أساسيات الحياة.

قد يعمل الأب والأم، ومع ذلك يجدان صعوبة في تغطية نفقات المنزل. وقد يحصل الموظف على راتبه في نهاية الشهر، لكنه يكتشف أن جزءًا كبيرًا منه قد استُهلك قبل أن يصل إلى منتصف الشهر.

وهنا يبدأ السؤال الذي لا تستطيع أي حكومة تجاهله: ما قيمة النمو الاقتصادي إذا لم يشعر المواطن بتحسّن في حياته اليومية؟

لقد عادت قضية غلاء الوقود والطاقة والغذاء إلى واجهة الاحتجاجات الفرنسية، مع تجدد الدعوات الشعبية الرافضة لارتفاع الأسعار، واستحضار تجربة حركة «السترات الصفراء» التي انطلقت عام 2018.

فالمواطن الذي يشعر بأن قدرته على العيش تتراجع، بينما تتواصل مطالبه بالتحمّل والتضحية، قد يصل إلى لحظة يرى فيها أن الشارع هو الوسيلة الأخيرة لإيصال صوته.

ثانيًا: الموازنة والتقشّف… مَن يدفع ثمن الأزمة؟

لا يمكن فصل الاحتجاجات عن الخلاف حول الموازنة الحكومية والسياسات المالية التي تستهدف خفض العجز والإنفاق العام.

فالحكومة تواجه ضغوطًا مالية، وتبحث عن سبل لضبط النفقات وتحقيق التوازن في المالية العامة. لكنّ السؤال الاجتماعي الذي يطرح نفسه هو: على حساب مَن ستُنفَّذ هذه الإجراءات؟ ومن يتحمّل العبء الأكبر؟

عندما تُطرح تخفيضات كبيرة في الإنفاق العام، يخشى العاملون في القطاع العام والنقابات والأسر ذات الدخل المحدود أن تنعكس هذه السياسات على الخدمات العامة، وفرص العمل، والرواتب، والتقديمات الاجتماعية، والتعليم.

ومن هنا، لا يصبح الخلاف مجرّد نقاش بين خبراء الاقتصاد حول الأرقام، بل يتحوّل إلى خلاف بين أولويات مالية وأولويات اجتماعية.

فالدولة تحتاج إلى إدارة مالية مسؤولة، نعم. لكنّ المسؤولية لا تعني أن يُطلب من الفئات الأضعف تحمّل الجزء الأكبر من الأعباء، فيما تبقى مسألة توزيع التضحيات موضع خلاف.

المواطن لا يعارض بالضرورة كل إصلاح، لكنه يريد أن يفهم لماذا يُطلب منه أن يدفع أكثر، وأن يحصل على خدمات أقل، وأن يكتفي بوعود لا يرى نتائجها في حياته.

ثالثًا: المدارس الفرنسية في قلب العاصفة

من الأسباب الأساسية التي أشعلت موجة الاحتجاجات الأخيرة، تدهور ظروف التعليم في عدد من المدارس الثانوية، ولا سيما في المناطق الأقل حظًا اقتصاديًا واجتماعيًا.

بدأت تحركات طلابية في منطقة باريس خلال سبتمبر/أيلول، على خلفية نقص المدرّسين والموظفين، وسوء أوضاع بعض الأبنية المدرسية، والاكتظاظ، وطول ساعات الدراسة، ونقص التجهيزات والخدمات الضرورية.

وتحدّث طلاب عن صفوف تفتقر إلى الظروف المناسبة، وعن أساتذة يغيبون ولا يجري تعويضهم سريعًا، وعن مرافق تحتاج إلى إصلاحات، وعن تفاوت واضح بين المؤسسات التعليمية والمناطق.

وفي سان دوني، إحدى المناطق المحيطة بباريس، برزت شكاوى طلابية من سوء الأبنية ونقص الكادر التعليمي والخدمات المساندة، في مشهد أعاد طرح سؤال العدالة في توزيع الموارد التعليمية.

وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن لبلد يرفع شعار تكافؤ الفرص أن يقبل بأن تتفاوت ظروف التعلّم بهذا الشكل بين طالب وآخر؟

إنّ المدرسة ليست مبنى يتلقّى فيه التلميذ الدروس فحسب؛ إنها المكان الذي يُفترض أن تتكافأ فيه الفرص، بصرف النظر عن ثروة الأسرة أو الحي الذي تسكنه.

وحين يشعر الطالب بأن مستقبله يتأثر بنقص المدرّسين أو بتردّي البيئة التعليمية، فإنّ غضبه لا يكون بالضرورة رفضًا للتعليم، بل احتجاجًا من أجل تعليم أفضل.

وقد تحوّلت هذه المطالب من قضية مدرسية إلى قضية وطنية، مع انضمام نقابات وطلاب ومجموعات شبابية إلى التحركات، واتساع النقاش حول التمويل العام والعدالة الاجتماعية.

رابعًا: الشباب الذين يخشون على مستقبلهم

ليس من الحكمة النظر إلى مشاركة الشباب باعتبارها تفصيلًا ثانويًا في الأحداث.

فالشاب الذي يرى أن فرصه التعليمية تتراجع، وأن تكاليف الحياة ترتفع، وأن الوصول إلى الاستقلال المادي أصبح أصعب، قد يشعر بأن المجتمع يطالبه بالنجاح من دون أن يمنحه الأدوات الكافية لتحقيقه.

والشباب لا يريدون خطابات جميلة عن المستقبل بقدر ما يريدون مستقبلًا يمكنهم الوصول إليه: تعليمًا جيدًا، وفرص عمل، وأجورًا مناسبة، وسكنًا يمكن تحمّل تكلفته، وشعورًا بأن أصواتهم مسموعة.

وعندما تتراكم هذه المخاوف، تتحوّل المدرسة والجامعة إلى ساحات للتعبير عن أزمة أوسع من جدرانهما.

ومن الخطأ أيضًا اعتبار كل تحرّك شبابي نتيجة مؤامرة سياسية أو توجيه حزبي. فقد تحاول أحزاب وتنظيمات الاستفادة من أي موجة احتجاج، وقد تسهم في تعبئتها أو توسيعها، لكن ذلك لا يكفي وحده لتفسير الشكاوى الأصلية التي دفعت الطلاب إلى الشارع.

لقد أثارت السلطات الفرنسية اتهامات بشأن دور مجموعات من اليسار المتشدد في تنظيم بعض التحركات أو تأجيجها، في حين رفضت جهات سياسية هذه الاتهامات، وقالت إن التعامل الأمني والخطاب الحكومي زادا التوتر.

ويبقى من الضروري التمييز بين حق الطلاب في التعبير عن مطالبهم، وبين أي محاولة لاستغلالهم سياسيًا أو دفعهم إلى العنف.

خامسًا: العدالة الاجتماعية ليست شعارًا انتخابيًا

وراء هذه القضايا كلّها سؤال أكبر: هل يشعر الفرنسيون بأن الأعباء والفرص موزّعة بعدالة؟

فالتفاوت الاجتماعي لا يُقاس فقط بالفارق بين دخل غني ودخل فقير، بل أيضًا بالفارق بين مدرسة مجهّزة ومدرسة مهملة، وبين أسرة تستطيع تحمّل ارتفاع الأسعار وأخرى تضطر إلى الاستغناء عن حاجات أساسية، وبين مواطن يملك هامشًا واسعًا للاختيار وآخر يعيش على حافة العجز.

وحين تتراكم هذه الفوارق، يتكوّن لدى شرائح من المجتمع شعور بأن النظام يعمل بصورة أفضل لمصلحة فئات معينة، وأن معاناة الناس العاديين لا تحتل الموقع الذي تستحقه في القرارات الحكومية.

وهذا أحد أسباب عودة أجواء «السترات الصفراء» إلى النقاش الفرنسي.

فالحركة التي برزت عام 2018 بسبب الاعتراض على أسعار الوقود والسياسات الضريبية تحوّلت آنذاك إلى تعبير أوسع عن الشعور بالتهميش، وعن رفض أن تُفرض الأعباء المالية على المواطنين من دون مراعاة أوضاعهم.

واليوم، ومع تجدد الاحتجاجات، تبدو بعض المطالب متشابهة: خفض كلفة الحياة، وحماية القدرة الشرائية، وتحسين الخدمات العامة، وإعادة الاعتبار إلى صوت المواطن.

لكن التشابه لا يعني أن كل التحركات الحالية امتداد تنظيمي مباشر للحركة القديمة؛ إنها، بالأحرى، تعكس عودة أسئلة اجتماعية لم تجد حلولًا كافية في نظر قطاعات من المجتمع.

سادسًا: حين تتحوّل التظاهرة إلى مواجهة

لكن هل تبرّر المطالب الاجتماعية إحراق الممتلكات والاعتداء على الآخرين؟

بالتأكيد لا.

فحق التظاهر والتعبير عن الغضب لا يمنح أحدًا الحق في تخريب المتاجر أو الاعتداء على الشرطة أو المواطنين أو تحويل الشوارع إلى ساحات ترهيب.

لقد شهدت التحركات الأخيرة مواجهات وأعمال تخريب وحرائق وعمليات نهب في بعض المواقع، بينما بقيت تظاهرات أخرى سلمية. كما استخدمت الشرطة وسائل لتفريق الحشود، بينها الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، وسط انتقادات ومخاوف بشأن أساليب التعامل الأمني.

ومن الضروري هنا عدم الخلط بين المتظاهر السلمي الذي يرفع مطلبًا اجتماعيًا، وبين مَن يستغل الحشود لارتكاب أعمال عنف، كما لا يجوز اعتبار كل إجراء أمني مبرّرًا تلقائيًا من دون مساءلة عند وقوع تجاوزات.

إنّ العنف يضرّ بالقضية التي يُفترض أن يخدمها فهو يهدّد سلامة الناس، ويزيد الانقسام، ويمنح السلطات مبررًا لتشديد الإجراءات، وقد يحوّل النقاش من أسباب الأزمة إلى صور التخريب.

لكنّ الاكتفاء بإدانة العنف، من دون معالجة الأسباب التي دفعت الناس إلى الاحتجاج، لا ينهي الأزمة أيضًا.

فالمسؤولية مزدوجة: على المتظاهرين حماية الممتلكات والأرواح واحترام القانون، وعلى الدولة حماية حق التظاهر السلمي، ومحاسبة التجاوزات، والاستماع إلى المطالب المشروعة، وتقديم حلول ملموسة.

سابعًا: هل الأزمة فرنسية فقط؟

قد يظن البعض أن ما يجري في باريس لا يعني سوى الفرنسيين. لكنّ الرسالة تتجاوز حدود فرنسا.

ففي دول كثيرة، تواجه الأسر ضغوطًا متزايدة بسبب تكاليف السكن والطاقة والغذاء، فيما تتصاعد النقاشات حول الإنفاق العام، ومستقبل التعليم، وقدرة الأجور على مواكبة الأسعار.

والدرس الأهم هو أن استقرار المجتمعات لا يقوم على قوة المؤسسات الأمنية وحدها، ولا على الأرقام الاقتصادية وحدها، بل على الثقة بين المواطن والدولة.

وحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن القانون يحميه، وأن الضرائب والإنفاق والخدمات تُدار بعدالة، يصبح أكثر استعدادًا لتحمّل الصعوبات.

أما حين يشعر بأن معاناته تُهمَل، وأن مطالبه لا تجد جوابًا، وأن التضحية مطلوبة منه دائمًا، فقد تتحوّل حالة الاستياء إلى أزمة ثقة يصعب احتواؤها.

وهذا ما يجعل الاحتجاجات الفرنسية جديرة بالقراءة والتحليل، لا بمجرد المشاهدة والتعليق.

الخلاصة: لا تنتظروا من الناس أن يصمتوا إلى الأبد

إنّ ما يحدث في باريس يطرح سؤالًا لا تستطيع أي حكومة الهروب منه: ماذا يبقى من الثقة بالدولة إذا لم يعد المواطن يشعر بأن سياساتها تحمي كرامته وتلبّي حاجاته الأساسية؟

الناس لا يخرجون جميعًا إلى الشارع للسبب نفسه، ولا يحملون جميعًا المطالب ذاتها. هناك طالب يريد مدرسة أفضل، وعامل يريد أجرًا يحميه من الغلاء، وأسرة تخشى على مستوى عيشها، ونقابة ترفض تقليص الخدمات، ومواطن يشعر بأن صوته لم يعد يصل إلى أصحاب القرار.

وقد تختلط بهذه المطالب حسابات حزبية، أو أعمال تخريب، أو محاولات لاستغلال الغضب الشعبي. لكنّ ذلك لا يلغي ضرورة فهم جذور الأزمة والتعامل معها بجدية.

إنّ قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إعادة الهدوء إلى الشوارع، بل بقدرتها على منع الأسباب التي تدفع الناس إلى الانفجار.

فالحكومة التي تسمع قبل أن يغضب الناس، وتصلح قبل أن تتفاقم الأزمات، وتوزّع الأعباء بعدالة، تكون أكثر قدرة على حماية الاستقرار من حكومة لا تتحرّك إلا بعد أن تشتعل الشوارع.

فالناس لا يطلبون المعجزات إنهم يريدون أن يعيشوا بكرامة، وأن يتعلّم أبناؤهم في مدارس لائقة، وأن يعملوا من دون أن يبتلع الغلاء تعبهم، وأن يجدوا دولةً تسمعهم قبل أن يضطروا إلى الصراخ،ولا بد من الاشارة انه في كل الثورات يوجد بعض المندسين والمخربين والحاقدين…

وحين يصبح الصراخ هو اللغة الوحيدة التي يسمعها المسؤول، تكون المشكلة أعمق بكثير من تظاهرة في باريس.

إنها مشكلة الثقة بين الحاكم والمحكوم، بين الوعود والواقع، وبين ما تقوله الدولة عن حياة مواطنيها وما يعيشه هؤلاء فعلًا.

وهنا، بالضبط، يبدأ فهم الشارع الفرنسي… وتبدأ مسؤولية الحكم.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3569377
Total views : 7272830