تقنية الغناء العربي بين الموشحات الاندلسية والمقامات العربية
د. غادة شبير : الموشحات الاندلسية تعود الى القرن التاسع والعربية الى العصور المسيحية الاولى وتطورت
نعود بطلابنا الى الجذور والابداع والتميز يحتاج الى موهبة كبيرة
خسرنا خصوصية وهوية الاشكال الغنائية العربية

خاص – الحاضر نيوز
في النصف الثاني من القرن العشرين نرى اشكالا فنية جديدة ولدت على انقاض نمط غنائي قديم… فهل تحولت بعض الفنون من المقام والقصيدة الى الطقطوقة السريعة
من بين هذه الفنون القديمة الموشحات…فما هي الموشحات … نشاتها و اي شكل من اشكال الشعر هي وما علاقتها بالمقامات العربية القديمة وماذا عن تقنية الغناء العربي؟؟
هذه الاسئلة طرحناها على الدكتورة غادة شبير المتخصصة في العلوم الموسيقية والغناء العربي وكانت هذه الاجابات…
– ما هو تعريف الموشحات وكيف نشأت؟
*الموشح فن شعري مُستَحدث، يختلف عن ضروب الشعر الغنائي العربي في أمور عدّة، وذلك بالتزامه بقواعد معيّنة في التقنيّة، وبخروجه غالباً على الأعاريض الخليليّة، وباستعماله اللّغة الدارجة أو العجمية في خرجته، ثمّ باتّصاله القوي بالغناء.
الموشحات قد نشأت في الأندلس، أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، وفي هذه السّنين التي ازدهرت فيها الموسيقى وشاع الغناء من جانب، وقوي احتكاك العنصر العربي بالعنصر الاسباني من جانب آخر. فكانت نشأة الموشحات استجابة لحاجة فنيّة أوّلاً، ونتيجة لظاهرة اجتماعية ثانياً.
– ما الذي يميّز الموشّحات الأندلسيّة وبالتالي ما هي مكوّناتها؟
* بالإضافة الى الجمع بين الفصحى والعامية تمَيَّزَت الموشحات بتحرير الوزن والقافية وتوشيح، أي ترصيع، أبياتها بفنون صناعة النّظم المختلفة من تقابل وتناظر واستعراض أوزان وقوافي جديدة تكسر ملل القصائد، وتبع ذلك أنّ تلحينها جاء أيضاً مغايراً لتلحين القصيدة، فاللّحن ينطوي على تغيرات الهدف منها الإكثار من التّشكيل والتّلوين، ويُمكن تلحين الموشح على أي وزن موسيقي لكن عرفت لها موازين خاصّة غير معتادة في القصائد وأشكال الغناء الأخرى.
يضم الموشّح عادةً ثلاثة أقسام، دورَين وخانة كلّ منها بلحنٍ مختلف والختام بالخانة الأخيرة غالباً ما يكون قمّة اللّحن من حيث الاتّساع والتنويع مثلما في موشّح “لما بدا يتثنّى” وموشح “ملا الكاسات”، وقد لا تختلف الخانة الأخيرة ويظل اللّحن نفسه في جميع مقاطعه كما في موشّح “يا شادي الألحان”، وقد تتعدد أجزاء الموشح لتضم أكثر من مقطع لكلّ منها شكل وترتيب وتتخذ تسميات مثل المذهب، الغصن، البيت، البدن، القفل، الخرجة.
– ما هو المقام العربي؟
* المقامات هي نغمات عربيّة تعود بنا إلى العصور المسيحيّة الأولى. وقد تبلورَت هذه المقامات والنغمات خلال العصور التي مرَّت تباعاً من الجاهليّة إلى الإسلام إلى العصر الأمويّ والعباسي بحيث ظهر كبار المغنيّين والعازفين خاصّةً على آلة العود وبلوروا العديد من النغمات وصولاً حتّى العصر الأندلسي حيث وصل الغناء إلى أوَجِّه ولكن لم نتعرَّف إلى النغمات والمقامات إلاّ بين في القرنَين التاسع عشر والقرن العشرين حيث بدء التسجيل على أقراص الزّفت والمدمجات القديمة وحُفِظَت لنا كنوز المقامات العربيّة باختلاف استعمالها بين الدول العربيّة جميعها.
– هل من السهل على طلاّبكم في القسم الشرقي تعلّم المقامات العربيّة القديمة؟
* كانت طريقة العمل على المقامات في الماضي تأتي بالفطرة، فكان الموسيقيّون والمؤلّفون القدماء يعملون عليها ويبنون جملهم الموسيقيّة على أساس التمرّس بالسّمع من الحفظة القدماء الذين سبقوهم. فتبلوَرَت لديهم طريقة خاصّة فطريّة في العمل على التأليف والصياغة لهذا النوع من النغمات. ويبقى الإبداع والتميّز دائماً لذوي الموهبة الكبيرة. واليوم، ومع طلاّبنا نعود بالسّمع إلى الماضي، إلى الجذور، إلى التراث، إلى الفولكلور، إلى الأعمال الدينيّة القديمة المسيحيّة منها والإسلاميّة، فنسمع ونحلّل ونعمل على منوالها. وهذا يتطلّب منهم العمل الدؤوب والدرس الوافي والسمع المضني.
– كمديرة للفرقة العربيّة التابعة لجامعة الكسليك، كيف ترَين واقع الموسيقى العربيّة اليوم؟
* بالنسبة للمواهب فإنّ اللّه قد أنعم علينا على مرّ العصور بمواهب كثيرة، ولكنّ الإبداع قليل. فالمبدعون لا يتعلّق إبداعهم فقط بالموهبة وإنّما بالعمل والدراسة. وإنّ الفنّ الذي نمرّ به اليوم له اتّجاهَين: الإتّجاه الأوّل وهو العمل الجدّي التراثيّ مع أصواتٍ محافظة على التراث العربي وتعمل على تبيان هذا التراث، فتنبع منه وتحقّق إبداعاً جميلاً. هي الأصوات التي تحفظ أعمالاً جديدة وهي أعمال بكلماتٍ جديدة وألحانٍ جديدة. وتكون هذه الأعمال على مستوًى جيّد لحناً وتوزيعاً وصوتاً وغناءً. أمّالإتجاه الثاني فهي الألحان السريعة تأليفاً ولحناً وتنفيذاً، الأعمال البسيطة التي لا تكلّف فيها لا في الجملة اللّحنية، ولا في الجملة التأليفيّة، ولا في غنائها. ويعود هذا الجهل ربّما ليس فقط إلى المغنّي البسيط بل أيضاً إلى الملحّن والمنفّذ والكاتب الذيت يتعاونون سويّةً على خلق اتّجاه مغاير للأغنية العربية، وهم لا يعرفون أنّه أحياناً ما يقومون به سوف يلخَّص بعد حين بجملةٍ واحدة وهي: كانت الأعمال في ذاك العصر هزيلة وركيكة المضمون. ويبقى العصر الذهبي للأعمال المقتدرة.
– هل تشعرين أنّ الموشّحات الأندلسيّة والمقامات العربية إلى تراجع؟
* طبعاً إلى تراجع، فالموشّح قد اندثر في الثلث الأوّل من القرن العشرين والموشّحات التي نُفِّذَت فيما بعد، ليست سوى إعادة لهذا المخزون العظيم أو تأليف جديد خجول إلى حدٍّ ما. وقد انتظرنا في القرن العشرين الأخوين عاصي ومنصور الرحباني ليسلكا طريق الموشّح المعاصر المختلف كل الإختلاف عن الموشّحات الأندلسيّة والموشّحات العربيّة. ولكنّنا اليوم نعمل فقط على قالبٍ غنائيٍّ واحد وهو قالب الطقطوقة أو الأغنية بعدما كان القرن العشرين يضجّ بالأشكال الغنائيّة المتعدّدة من الدور إلى القصيدة والنشيد والموّال والموشّح والإرتجال والأغنية الطويلة والمسرحيات الغنايّة وغيرها. أمّا من ناحية استعمال المقامات العربيّة، فإنّها تعد بالمئات ولكنّنا لا نستعمل منها سوى ثلاث أو أربع نغمات وهي النغمات التي لا تحوي ربع الصوت في بنيتها. وهذا يجعلنا نقول أنّ اتّجاه التأليف الموسيقي اليوم هو نحو النغمات الشبيهة بالسّلّم الغربي كالنهوند والعجم والكرد والحجاز.
– في النصف الثاني من القرن العشرين نرى أشكالاً فنيّة جديدة وُلِدَت على أنقاض نمط الغناء القديم، هل تحوّلَت بعض الفنون من المقام والقصيدة والموشّح إلى الطقطوقة السريعة؟
* ليس المهم فقط أنّنا نعمل على شكلٍ غنائيّ واحد ألا وهو الطقطوقة، ولكنّ هذا الشّكل بالذات كانت له أيادٍ بيضاء صادقة كتَبَت ولحَّنَت ونظَمَت وألَّفَت على مستوًى عالٍ من الأعمال التي تشبه إلى حدٍّ كبير شكل القصيدة وشكل الدور من ناحية استعمال النغم والإيقاع والتبدلات المقاميّة. أمّا اليوم، فإنّ هذا الشكل الغنائي أي الطقطوقة، قد خسر هويّتَه فاستعان بالنّظم والفكر الغربي لتنفيذه، فأضحَت الأغنية أو الطقطوقة تشبه إلى حدٍّ كبير الأغاني الغربيّة والأغاني اليونانيّة منها والتركيّة. وفي هذا الموضوع خطرُ كبير على الهويّة العربيّة. بحيث أنّنا خسرنا خصوصيّة وهويّة الأشكال الغنائيّة العربيّة.
– كيف يمكن بنظرك أن نسير نحو طريق التجديد؟
* التجديد لا يُبنى على التقليد. أي أنّ التجديد لا يُبنى على أساس الفكر الغربي ولا على أساس الجملة اللّحنيّة الغربيّة بخصائصها ونظمها. ونقصد بخصائصها الكتابة الهارمونيّة الموزّعة على أوركسترا كاملة. وهذه الكتابة التي تُسمّى التوافق والاصطحاب هي كتابة غربيّة صرف. فعلينا أوّلاً أن نعود إلى الماضي، إلى المقامات المشهورة والنادرة منها. نحلّل ما وصلنا إليه حتى اليوم، ونأخذ متّسعاً من الوقت لنبني التجديد على أساس الكلمة واللّحن والتنفيذ. ويعود بذلك كل بلد إلى هويّته، فتعود الأعمال وخصائصها إلى بلدانها. ونعود أيضاً إلى الأشعار القديمة العربيّة منها والسريانيّة، فنستخرج إيقاعاتٍ مغايرة ربّما لا تشبه إيقاعات اليوم، وننظم أبياتاً شعريّة على أساسها. ونتمتّع ببناء جمل لحنيّة جديدة تربط بين الماضي والحاضر ويكون فيها فكر تجديدي إن من حيث البنية اللّحنية والكلاميّة وإن من حيث الشّكل الغنائي.

