الشاعر الملهم وسام زيدان يكتب عن نص
الأرواح العليا / والملوك الخمسة .
الجميل الدويهي:
ما دام الله هو الواحد الأحد ، وهو الأب والأبن والروح القدس وهو كذلك المتجلي فينا بالاقانيم الثلاثة ، اللطيف والبسيط والكثيف ، فهذا يعني بأنه وراء هذا الكون مدبرا حكيما هو العقل الأعظم وروحا ساميا هو الله سبحانه وتعالى .
ونحن كبشر نخضع كليا لسيطرة العقل ، وإذا ما فعل الطمع فعله في النفوس واستفحلت الأنانية ، عندها يفتقد الإنسان لطبيعته الخلاقة المستمدة من جوهر العقل ، فينتج عن ذلك ألم ومعاناة لنعيش بعدها مع هاجس الخوف ومع الرغبات الفانية والتي تؤول إلى صراعات نفسية تحد من قدراتنا على التقدم وتحقيق اهدافنا السامية في مسيرتنا الروحية والفكرية ، ولكي يتخلص المرء من تلك المعاناة ما عليه إلا أن يكون المراقب الصامت لأفكاره وتصرفاته . يقول راما كريشنا ( الناس يتألمون بسبب قلة إيمانهم ) . فالإيمان يأخذنا إلى مراقبة النفس والتحكم في تصرفاتها وأهوائها ، وملازمتها طوعا لقانون الترفع عن الأنانية والطمع . هذا الإيمان العميق ينقل النفس إلى بواطن جوهرها النقي ، فتشاهد عندها ذاتها بذاتها وتتكشف لها بذلك مفاهيم الحياة ، وتسير على خطى القبول والرضى بما قسمه الله لها مما يشكل حالة من الفرح والغبطة لتصبح راضية مرضية متحدة من جديد مع جوهرها النقي والذي يأخذها إلى ما وراء العقل . يقول شمس التبريزي ( تعلق الفاني بالفاني يفنيه ، وتعلق الفاني بالباقي يبقيه ). إن عظمة الأرواح العليا عند الدكتور جميل تتجاوز متناقضات العقل ونزوات النفس ، فتتلمس أرواح الآخرين وعقولهم ، والملوك الخمسة الذين أستحضرهم فكر الدكتور جميل هم ملك واحد ابدي وسرمدي ، هو نور العالم والنور بطبعه لا يتجزأ ، فهو المنبع والمصب ، وهو الجوهر الحاضر فينا والسائر معنا أينما حللنا وكيفما فكرنا وتوجهنا ، فهو ماثل أمامنا، نشاهده عبر مرآة ذواتنا ،وكل يشاهده حسب منزلته ، فمن كانت روحه لطيفة شفافة يراه لطيفا ، والكثيف لا يشعر به البتة ، فهو الظاهر لنا كما نحن أنسية لعقولنا بلطافته ، فكلما زاد إيماننا وتأملنا قليلا ونزعنا الظلمة عن بصائرنا وشع نور الحق في عقولنا ، أدركنا عظمته وبحثنا عن السر الخفي المتجلي بقدرته ، وعن سر هذا الكون الكامن بالمخلوق الحي الناطق الذي هو الإنسان . ولكننا ما دمنا في صراع مستمر مع الأنا ، مع الرغبات والنزوات ، سنبقى وقودا لذلك الصراع المقيت والذي يبعدنا عن الحقيقة ، عن الجوهر ، عن الله .
ولن أجد افضل ما قاله الدكتور جميل الدويهي الفيلسوف ، النابغة في كتابه ( في معبد الروح ) الصفحة ٧٨ .وهو برأيي يوضح الفكرة المثالية للحقيقة ، حقيقة ما قاله الملوك ومدى تفاعل الناس بما قالوه . ( وكم من الناس أرادوا أن تظهر لهم الصورة كاملة فعجزوا ويئسوا ، وأصابهم الجنون ، ولو كانوا عقلاء لوفروا على أنفسهم جهدا وتعبا مضنيين وأقتنعوا بأن ما هو موجود هو جزء ضئيل من الموجود وان أفكارهم عاجزة عن إدراك المعالم الخفية التي حجبها الله .)

