
&img

خليل طرطق… سيرة اغترابٍ وحكاية وطنٍ لا يغيب
بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا
تشرفتُ اليوم بلقاء المغترب خليل طرطق، على ضفاف بحيرة بنشعي، في جلسةٍ تفيض دفئًا وصدقًا. رجلٌ جاء من أقصى المغترب، من القارة البعيدة، أستراليا، ليجدد صلته بالأرض الأولى، ويزرع في الذاكرة اللبنانية ما عاشه وما حمله قلبه طوال عقودٍ من الغربة. لم يأتِ فارغ اليدين، بل سلّمني كتابه "خليل طرطق الحكاية"، وقد زيّنه بصورته وبالعلمين اللبناني والأسترالي، في دلالةٍ رمزية على ازدواجية الانتماء: لوطنٍ يسكنه بالهوى، وآخرٍ احتضنه بالفرص.
الكتاب، الذي يقع في 230 صفحة من الحجم الوسط، قرأته في ليلة واحدة. شدّني كما تشدّ القصيدة قلب شاعرٍ عطِش. مقدّمته كتبها الصديق أنور حرب، رئيس تحرير "النهار" في أستراليا، فيما سجّل العميد المتقاعد أنور يحيى شهادته فيه، مستعيدًا لقاءهما عام 1998، يوم كان قائدًا لسرية درك زغرتا، حين قصده خليل طرطق لعرض فكرة تكريم الشاعر أسعد السبعلي. ومن يومها، صار خليل عنوانًا للوفاء، لا ينسى الشعراء ولا يتوانى عن تكريم المبدعين، حتى أقام تمثالًا للشاعر السبعلي في سبعل وأزاح الستار عنه بحياته في احتفال مهيب سنة 1998.
الكتاب ليس مجرّد سردٍ باردٍ للوقائع، بل هو أقرب إلى سيرة حياة، إلى قصة إنسانٍ تحدّى القدر منذ طفولته. يبدأ حكايته من عام 1959 يوم غادر لبنان طفلًا صغيرًا، ليعود إليه عام 1967مع عائلته، ثم يسافر مجددًا إلى أستراليا، حيث تبدأ رحلة الصعود. من بائعٍ للصحف في محل صغير في سيدني، إلى رجل أعمال يملك ويبني ويبيع، ويترشح للانتخابات ويكاد يفوز، ويصبح وجهًا معروفًا ومرموقا في الجالية اللبنانية هناك ومصدر ثقة لكبار المسؤولين الاستراليين…
لكن خليل طرطق لم ينقطع يومًا عن لبنان. كان قلبه معلّقًا بالوطن، يسري مع الدم في شرايينه. لعب أدوارًا تتجاوز حدود التجارةالى السياسة وعقد اللقاءات، فصار جسرًا بين أستراليا ولبنان. بحكم صداقاته العميقة مع رجال السياسة الأستراليين، وخصوصًا داخل حزب الأحرار، فكان مقصدًا لكل لبناني يحلم بالهجرة أو يحتاج إلى عون. لم يُغلق بابه يومًا في وجه أحد، وكان السند لأبناء جاليته، والمندوب غير الرسمي الذي ينقل هموم لبنان إلى البعيد.
في أستراليا، نظّم زيارات عديدة لرجال السياسة اللبنانيين، وكان من أبرز من استقبلهم وأحسن وفادتهم، البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، الذي وجد فيه صديقًا وفيًا للجالية اللبنانية. وقد ساهم، بعلاقاته الواسعة، في تقريب المسافات بين الدولة الأسترالية ولبنان، فكان رجل الوصل الذي لا يكلّ ولا يملّ.
ومع كل هذه الانشغالات، لم ينسَ خليل بيته وعائلته. أهدى كتابه إلى زوجته ماريا وأولاده بول وماريو ومارسال، اعترافًا بفضلهم ووقوفهم إلى جانبه في رحلة امتدت لأكثر من سبعة وستين عامًا في ديار الاغتراب. لكن هذه الغربة، على طولها، لم تستطع أن تنتزع لبنان من قلبه، ولا أن تمحو تفاصيله الصغيرة من ذاكرته. يكتب عن الطرائف التي عاشها في القرى اللبنانية وكأنها حصلت أمس، ويستشهد بأجمل المواقف حتى التفاصيل الصغيرة لتبقى ذكرى حية في ذهن كل قارئٍ يمرّ على سيرته.
في لقائي به، شعرت أن الوقت يهرب من بين أصابعي. أحاديثه مشبعة بالمحبة، خالية من الكبرياء والعنجهية والكذب. يجلس أمامك بتواضع السنبلة التي تحني رأسها كلما امتلأت قمحا. حديثه كالماء العذب، يروي ولا يملّ. إنه النموذج الأجمل للمغترب اللبناني الذي قصد المقلب الآخر من الكون، لكنّه ظل وفيًا للغته، لأرضه، لبلده. بل إنك تستغرب إتقانه للعربية التي يتحدثها بفصاحة أجمل بكثير من بعض الذين يقيمون في لبنان،او يأتون من الغربة “متفرنجين”…
خليل طرطق ليس مجرد اسمٍ في كتاب. إنه حكاية إنسانٍ آمن بالعمل، وادرك أن لبنان يستحق الوفاء، فعاش حياته على هذه القناعة. كتابه شاهد على تجربة إنسانية عميقة، رحلة حياة تختصر صراع اللبناني مع الغربة: بين الحنين إلى الجذور، والسعي وراء مستقبلٍ أفضل في أرضٍ بعيدة.
إنه كتاب غني بالتجربة والذاكرة، يضع بين أيدينا سيرة حياة تستحق أن تُروى وتُقرأ، لأن فيها صورة عن لبنان الحقيقي، لبنان الذي يسكن قلوب أبنائه مهما ابتعدوا، ويظل حاضرًا في وجدانهم مهما طال الزمن،او بعدت المسافات…




