بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا

في قريةٍ صغيرةٍ من عكار تدعى مشمش، وُلدت طفلة حملت معها بذور الطموح، لم تكن تعرف أن القدر سيحملها بعد أربع سنوات فقط إلى أقصى الأرض، إلى ملبورن – أستراليا، حيث ستخطّ واحدة من أبهى حكايات النجاح والوفاء للوطن. تلك الطفلة هي باسمة الحولي، التي كبرت بين ثقافتين: عادات العائلة اللبنانية المحافظة، وانفتاح المجتمع الأسترالي الذي احتضنها، وبين دفتيهما نُحتت شخصيتها المتفرّدة.

لم يكن انتقالها المبكر إلى بيئة جديدة يعني انقطاعها عن جذورها. على مقاعد المدارس الكاثوليكية، كانت تزرع بذور العلم والحلم، وفي البيت كانت تسمع من والدتها الناعمة كلماتٍ سترافقها العمر: “العِلم سلاحُك”. كلمة تحوّلت إلى وصية وإلى بوصلةٍ في كل منعطف من حياتها.

في سنوات دراستها الجامعية، لم تكتفِ باسمة بالمقاعد، بل عملت في مركز خدمات حكومي “Centrelink”، فتعلمت معنى الخدمة العامة. ثم، وبعد التخرّج – وهي أمّ لثلاثة أطفال – عملت في مركز للأشعة، قبل أن تقرّر خوض التخصص في التصوير الشعاعي، ومن ثم الانطلاق نحو التحدي الأكبر: إنشاء مركزها الخاص – Platinum medical imaging، الذي شكّل محطة مفصلية في حياتها. هناك تحوّلت من موظفة إلى سيدة أعمال، ومن مجرّد باحثة عن النجاح إلى صانعة له.

والدها، صاحب الأيادي البيضاء وملهمها الأول الحاج علي الحولي رحمه الله، أخذها معه إلى بنغلادش حيث أسسا مدرسة وعدة مشاريع خيرية. تلك التجربة تركت بصمة عميقة في وجدانها، كما أن حنينها الدائم إلى لبنان جعلها ترى في العطاء وسيلةً للعودة، ولو من بعيد. أما وصايا الأم، فقد جعلتها تكمل دراستها وتنال لاحقًا الدكتوراه في الإدارة الصحية من جامعة “كاريزما يونيفرستي” البريطانية.

حين التقت رفيق دربها في العمل الخيري، الأستاذ عثمان خالد عبدو، وُلدت معها مؤسسة “Bassima Foundation” التي وضعت نصب عينيها خدمة الإنسان أولًا. لم ترفع شعاراتٍ براقة، ولم تبحث عن أضواء، بل بدأت من حيث يوجع الناس: مرضى غسيل الكلى. هؤلاء الذين يعانون بصمتٍ في عكار ولبنان، وجدت فيهم باسمة رسالتها، فتكفّلت المؤسسة برعاية ودعم اكبر عدد ممكن من مرضى غسيل الكلي في عكار، وتأمين انتقالهم من بيوتهم إلى المستشفيات، متحمّلةً عبئًا كانت الدولة عاجزة عن حمله.

لم يكن عطاء باسمة مجرّد أرقام أو تبرعات، بل كان امتدادًا لتربية البيت، حيث “لا تدري اليد اليمنى ما فعلت اليسرى”.

لم يكن النجاح المهني ولا الخيري نهاية الطريق، بل بدايته. قررت أن تدخل المعترك السياسي في أستراليا، فترشحت أولًا للانتخابات البلدية، ثم النيابية، واقتربت من الفوز. وها هي اليوم تتولى رئاسة Citizen Party – حزب المواطنين في ولاية فيكتوريا، لتصبح أول سيدة عربية في هذا الموقع تتولى رئاسة الحزب. إنها تجربة سياسية لم تُبعدها عن إنسانيتها، بل زادتها إصرارًا على أن تكون الصوت الصادق للجالية اللبنانية والعربية في المهجر.

في أستراليا، كما في كل بقاع الأرض، يسطع اللبنانيون كالنجوم. كل واحد منهم يحمل قصة تحدٍ ونجاح، لكن قصة باسمة الحولي تختلف لأنها لم تفصل يومًا بين نجاحها في المهجر وحنينها إلى عكار. تقول دائمًا:
“السفر مش غلط، بس ما حدا يفل وينسى لبنان.”
ومن هنا، تدعو الشباب ألّا يضعوا الهجرة غايةً، بل أن يجعلوا النجاح وسيلةً للبقاء على صلةٍ بالجذور.

في احتفال تكريمها الأخير في بيروت، قالت كلمة تختصر مسيرتها:
“العِلم هو السلاح الأهم الذي يحمي الإنسان، والسبيل الوحيد لبلوغ الحياة الكريمة.”
أعادت تأكيد التزامها بالبقاء إلى جانب المرضى والفقراء، وأكدت أن لبنان – رغم المسافات – سيبقى حاضرًا في قلبها، كما في قلوب المغتربين الذين يرفضون أن تنطفئ شعلة الوطن فيهم.

لا تزال باسمة الحولي تحمل أحلامًا كثيرة وطموحات اكبر بينها:

تأسيس مؤسسة باسمة الحولي للرعاية والدعم الاجتماعي في لبنان

تأسيس مستشفى خاص بمرضى غسيل الكلى في عكار.

بناء مستشفى في منطقة Calwell في أستراليا.

إدخال مواد عن المواطنة والديانات في المناهج التربوية لتعزيز ثقافة الانتماء وقبول الآخر.

إعادة التماسك الاجتماعي بين الشباب، ونشر الطاقة الإيجابية.

قد تختصرها عبارتها المفضلة:
“الصدق الطريق السليم للنجاح.”

إنها حكاية باسمة الحولي… حكاية طفلة حملت لبنان في قلبها وهي في الرابعة، فحملها لبنان في وجدانه وهي على قمم النجاح. حكاية سيدةٍ تثبت أن الاغتراب ليس غيابًا، بل جسرًا بين وطنين، وأن الكرامة والنجاح يمكن أن يولدا من رحم الصعاب…
قد يبدو لبنان بعيدًا آلاف الكيلومترات عن أستراليا، لكن أبناءه هناك أقرب إلى قلبه من أي مسافة. هم الذين يضيئون سماء المهجر بالنجاحات، ويثبتون أن الغربة ليست قطيعة بل امتداد للوطن. من ملبورن إلى سيدني، من بريزبن إلى أديلايد، يحمل المغتربون اللبنانيون صورة بلدهم في وجدانهم، يزرعونها حيثما حلّوا، ويرسلون إليه ما يعجز السياسيون عن منحه: الحب الصادق والدعم المادي والمعنوي.

هم الأبعد جغرافيًا… لكنهم الأقرب وجدانيًا. قلوبهم تنبض على إيقاع الأرز، وحنينهم لا يخفت مهما تعاقبت السنوات. وحين نقرأ سيرةد. باسمة الحولي، ندرك أن نجاح كل مغترب هو قطعة من فسيفساء الوطن الكبير، وأن لبنان – برغم جراحه – لا يزال حاضرًا في كل مكان، بفضل أبنائه الذين أبوا أن يتركوه وحيدًا…فألف تحية وشكر…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,843