عبدالله ابي عبدالله مع غسان عازار

الحاضر نيوز _ خاص

في بلدة جران البترونية، على مقربة من البحر ورائحة الجبل، وُلد في 20 شباط 1936 شاعر وأديب ومؤرّخ ومربّ حمل عمره أكثر من تسعين عاماً من العطاء، حتى صار شاهداً حيّاً على أجيالٍ وأزمان.
هو عبدالله أبي عبدالله، ابن العائلة المعادية المتجذٍر من بلدة معاد في بلاد جبيل عام 1770 لتستقر في مراح الزيّات من بلاد البترون ومنها عائلة ابي عبدالله الى جران حيث امتزجت جذورها بتراب الأرض وذاكرتها.

غاب والده وهو بعدُ طفل في السابعة ، فتعّهده شقيقه طنوس رئيس دائرة التعليم الرسمي وأمين سر كلّية الحقوق وأخيراً رئيس دائرة القضايا في الجامعة اللبنانية. بادخاله الى عشر مدارس ، فكان العلم رفيقه الدائم . التحق بمعهد
الفرير ماريست في البترون، ثم تابع دراسته في عينطوره وميفوق، قبل أن يتخرج من دار المعلّمين في بيروت سنة 1955.
انطلق معلماً يحمل رسالة التربية، متنقلاً بين مدرسة النصر في كفيفان والبترون الرسمية والخاصة، حتى قضى 45 عاماً في التعليم والتربية والإدارة التربوية، تاركاً بصمة عميقة في نفوس الأجيال.

لكن رسالته لم تتوقف عند جدران المدارس. فقد كان رجلاً مبادراً: أسّس عام 1976 تعاونية البترون الاستهلاكية، ثم عام 1985 شارك مع الدكتور سمير أبي صالح والصحافي غسان عازار في تأسيس رابطة البترون الإنمائية الثقافية، التي وحّدت صفوة مثقفي المنطقة: سبعون عضواً بين رؤساء أديار ومدراء جامعيين وأطباء ومهندسين ومحامين ومعلّمين. وزّعوا البطاقات الصحية والأدوية، دعموا المستوصفات والجمعيات الزراعية أقاموا المؤتمرات والأنشطة الطلابية، وأسسوا بنك دم لمستشفى البترون. كانت الرابطة في تلك الأيام أشبه بخلية حياة في زمن الحرب.

وفي عام 2013، بزغ مشروعه الأحب إلى قلبه خلال جلسة حوار مع الصحافي غسان عازار فكان الاقتراح: حديقة الشعراء في جرّان. هنا، بين الأشجار والأحجار، زرع الشاعر قصائده في تربة حقيقية، فارتفعت تماثيل المتنبي وعنترة وسعيد عقل وجبران والأخطل الصغير وشحرور الوادي. الحديقة صارت ملتقى مئة شاعر وأديب، وحضنها مئات المثقفين في مهرجاناتها السنوية. أُقيمت فيها تماثيل لعشتروت وبوتريس، ولوحات تاريخية وأسود حجرية، حتى غدت أشبه بمتحف مفتوح يزاوج بين التراث والأسطورة، بين القصيدة والصخرة.

وفي موازاة هذه الأعمال، حمل قلمه وأبدع: عشرة دواوين زجلية وفصيحة صدرت بين 1981 و2025، بينها “ُسمّرة”، “أشعة الغروب”، “وشوشات الغصون في حديقة ااشعراء”، زوادة سفر ، باقة شعر ،خواطر القلق”أصداء الزمن البعيد” ، وداعاً أيها القلم “دعسات عا دروب الحياة”، وديونان مخطوطان ، وموسوعتان تاريخيتان ،،الاولى بعنوان ” موسوعة تاريخ لبنان عبر العصور طبعة اولى . وطبعة ثانية التي إشترت منّي دار نوبليس حقوق الطباعة والنشر ، وأصدرتها في العام ألفين في قصر الاونيسكو بعنوان ” الموسوعة اللبنانية ” برعاية رئيس الجمهورية العماد إميل لحود وتضم ٢٤ جزءاً آخرين . وبعدها أصدرت ” موسوعة الموارنة ومسيحي الشرق ‘عن دار ملفّات ، ثُمّ طبعت مرّة ثانية من قبل مكتبة السائح في طرابلس ، والناشر طوني ضو ، كما أصدر كتاب ” جبيل والبترون والشمال في التاريخ ، وكتاب تاريخ الاسرة المعادية ، وكتاباً بعنوان ” شهداء الحب والوطن” ويتضمّن تمثيليتين وقصّتين ، إحداهما بالزجل عنوانها ” فينيقيا م الكون ” مُثّلت في البترون عدٍة مرّات وتمثيليّة ثانية بالشعر الفصيح عنوانها ” لبّيك لبنان ” عن شهداء لبنان في ٦ أيار سنة ١٩١٦ ، من قبل العثمانيّين ، وقائدهم جمال باشا ، كما وآخر مؤلّفاته ” دراسة حول الصحافي والمناضل الوطني الكبير خيرالله خيرالله ” إبن جران المقيم في باريس ، والذي استشهد في تونس سنة ١٩٣٠
إضافة إلى مخطوطات لم ترَ النور بعد.. أعماله تعدّت حدود الشعر إلى التاريخ، فغدا شاعراً ومؤرخاً في آن.

الحياة العائلية كانت ركناً آخر من مسيرته: ابناه الطبيب إبراهيم والمهندس سمير ورثا عنه حب العلم والمعرفة، فيما أنشأ لابنته ليليان – المتزوجة في بوسطن – مكتبة عامرة بالكتب كما فعل مع شقيقيها. أما زوجته فكانت رفيقة الدرب، وقد خُلدت صورتها إلى جانبه بريشة فنانين كبار.

وإنجازاته لم تمرّ بصمت. فقد نال ما يليق به من دروع وتكريمات وميداليات، منها:

درع الهيئة اللبنانية للتخطيط والإنماء من رئيسها الأستاذ نبيل حرب.

درع بلدية البترون من رئيسها مرسلينو الحرك.

درع البيئة من الدكتور بديع أبو جودة.

درع دار الثقافة من الدكتور سيمون الحايك.

درع مؤسسة أفكار الأسترالية مع ميدالية ذهبية من الدكتور جميل الدويهي.

درع بلدية جرّان من رئيسها المهندس سمير باز.

عدة دروع من رابطة البترون الإنمائية الثقافية ورئيسها الدكتور سمير أبي صالح.

درع مجلة “صوت الشاعر” من صاحبها الشاعر روبير خوري.

درعان عن الشعر والتاريخ من رئيسة اتحاد السفراء الدوليين في الولايات المتحدة الأميركية غرازييلا سيف.

درع مدرسة البنات الرسمية في البترون من مديرتها السيدة ناديا موسى (زوجته).

درع نادي “ريشة عطر” في زغرتا من الشاعر أسعد المكاري.

درع الصحافي غسان عازار صاحب مجلة “صوت البترون”.

درع عائلة شحرور الوادي من نجله الأستاذ نبيل الفغالي.

درع مجلس الفكر من مؤسسه حنينا أبي نادر ورئيسته الدكتورة كلوديا شمعون أبي نادر.

درع من مفوض الوطنيين الأحرار في البترون جوزاف صوايا.

بركة رسولية من قداسة البابا يوحنا بولس الثاني له ولعائلته.

ميداليتان من الدكتور نجيب بجاني، رئيس جامعة المواهب العالمية، إحداهما للحديقة والأخرى للشاعر نفسه.

ولم تقف التكريمات عند الدروع، بل رافقها إبداع فناني الكلمة والريشة: قصائد مهداة من شعراء كبار كميشال جحا وعطا كوسا والأب سيمون عساف، ولوحات ورسومات للرسام يوسف مارون، الفنان مارون ياغي، شربل سمعان وغيرهم، وتماثيل أبدعها الفنانون جوزاف عساف وجان رزق الله. حتى شجرة الأرز نُقشت خصيصاً باسمه، وكأنها ترد له الجميل.

ولعل أجمل ما يبقى من سيرته أنّه لم يرَ في الشعر مجداً شخصياً بل رسالة عامة، فجعل من ذاته ومن عمره الطويل جسراً بين الناس والكلمة، بين الماضي والحاضر، بين التاريخ والقصيدة. واليوم، وقد جاوز التسعين، يبقى عبدالله أبي عبدالله شيخ الشعراء وحارس الذاكرة البترونية، رجلاً غرس في جرّان حديقة من الشعر، وفي ذاكرة لبنان حديقة من الوفاء.


شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,028