كتب غسان عازار
شخصيات من لبنان

في زمنٍ تراجعت فيه القيم، وباتت المناصب سلّماً للمصالح عند البعض، يطلّ اسمٌ من ذاكرة الدولة النزيهة كنسمةِ وفاءٍ على وجه الوطن المتعب. هو القائمقام باستيد منعم، رجلٌ جاوز الثانية والتسعين من عمره، وما زال يحمل في صوته نبرة المسؤول الصادق، وفي عينيه بريق الإنسان الأمين.
ابنُ بلدة إجدبرا البترونية، حمل في مسيرته روح الخدمة العامة لا كوظيفة بل كرسالة، وترك في قلوب الناس أثراً لا تمحوه الأيام، لأنّه مارس السلطة بروح الأب، والتواضع بسلوك الناس الطيّبين.

في “شخصيات اليوم”، نستعيد معاً سيرة القائمقام الإنسان، الذي علّم المناصب كيف تكون القيم أكبر من الكراسي، وكيف يكون الأداء في خدمة الإنسان قبل أي اعتبار.

إنٌ الأثر الطيٍب الذي تركه قائمقام جبيل، باستيد منعم في نفوس مواطنيه، طوال مدّة خدمته في القطاع العام على مدى واحد وأربعين سنة، حظي بمحبّة الناس وثقتهم لما كان يتمتّع به من سيرة حسنة، ومن إخلاص ونشاط.
إنّ أوّل معرفتي بالقائمقام منعم وهو إبن منطقتي من بلدة إجدبرا البترونية في العام ١٩٧٦، يومها كنت أعمل في إذاعة عمشيت وأذكر أنه خصّص مكتباً للوكالة الوطنية للإعلام في السراي. ونأمل بأن يكون القائمقام منعم، والمعروف بقائمقام جبيل الأبجدية، عبرة وقدوة لكلّ موظٍف يعمل في القطاع العام لكي يؤدٍي رسالته بكل أمانة وإخلاص في خدمة مواطنيه ولبنان وفي المناطق التي يعمل فيها.

وتستوقفني نادرة يوم إحالته الى التقاعد في العام ١٩٩٩، وإنتقاله الى منزله الوالدي في بلدته إجدبرا. قمت بزيارة تهنئة برفقة أحد عارفيه الخور إسقف يوسف أبي صعب وكانت الأولى. وكان قد سأله عن مكان منزله في البلدة فأجابه بالقرب من سيدة الفِرس على مدخل ساحة البلدة حيث سنديانتها المعمّرة والمعروفة “بمدرسة تحت السنديانة وملتقى المناسبات” وبعد أمتار تجدْ شجرة أرز من عمر المنزل تكلٍل مدخله. ولما وصلنا سأله أبي صعب: يا باستيد هذا منزلك؟ أجابه بنعم. ردّ عليه: يعني إنت ما سرقت! أجابه باستيد: يا محترم بعد فينا نستقبلك، البيت مفتوح متل ما كان “ايام إمّي وبيّ”. وبادرنا بكلمات شكراً شكراً يا محترم، إنني أترك الوظيفة وأنا بمنتهى راحة الضمير تجاه الله وتجاه القانون وأتمنّى عودة الاستقرار الى ربوع الوطن لبنان الذي نُحب وقد تحمّل الكثير من الصعوبات والمحن والحروب.
إجدبرا بلدة سياحية وأثرية، تتميّز بموقع خلاّب، تطلٍ منها على الشمال وعلى العاصمة بيروت، وهي امتداد لمدينة البترون “بوتريس عنقود العنب” والمدخل الى سائر القرى والبلدات البترونيّة، وتتفرّد عنها بزراعة الخرنوب، تسميتها تعود إلى السريانية “الحظ الكبير”، وعائلاتها تنتمي الى العائلة الغلبونية الفرنسية. جدٍهم بوهيموند السابع الإفرنسي ملك طرابلس وإنطاكيه، توفٍي في طرابلس في العام ١٢٧٨ أمّا ملكهم الرابع فسكن غلبون.

والقائمقام باستيد من مواليد إجدبرا في ٢٨ كانون الثاني من العام ١٩٣٥، ويخبرنا عن تسميته بهذا الاسم نقلاً عن والده لويس وكان شيخ صلح “لمٍا زار والدي مأمورية نفوس البترون التقى بالقائمقام آنذاك فؤاد غصن وهنأه بالمولود الجديد مقترحاً عليه تسميته باستيد تيمٍناً ببول باستيد مسؤول فرنسي خلال زيارته للبنان. وكان الأخير من المؤيّدين لعريضة مشايخ الصلح والمخاتير التي أطلقها غبطة البطريرك الياس الحويك “الذي هو على طريق القداسة” بتسمية الريجي إدارة حصر التبغ والتنباك بدلًا من الاحتكار، مع الإشارة الى أنّ القامقام باستيد حفظ عن والده هذا البيت من الشعر:
“يا أولياء الاحتكار أما كفى ما قد جلبتم على البلاد وبالا؟”‘

تلقّى باستيد علومه الأولى على يد والده الشيخ لويس الشاعر والأديب الذي كان على علاقة متينة بصديقه الخوري يوسف الحدّاد، والاثنان من تلامذة مدرسة مار يوحنا مارون – كفرحي. فاقترح عليه بأن يُعلّم معه في مدرسة الحكمة فلم يوافق مفضّلًا البقاء في بلدته ليتسنّى له خدمة أبنائها، وله قصائد عديدة من بينها قصيدة في مواجهة الأتراك.

يقول باستيد: كان عمري تسع سنوات عندما ذهبنا الى بيروت أنا وإختي إميلي وأخي أنطوان، ودخلت مدرسة مار مارون في سوق النجارين بيروت وسجٍلوني في صف الثاني عشر. سألوني بتعرف تقرأ؟ قلت لهم نعم وقرأت، بعد شهر نُقلت الى الصف العاشر، بعد ثلاثة أشهر، نُقلت الى الصف التاسع وهكذا دواليك بعد أن أخضع لامتحان أطلع من صف لصف أي بعد ثلاث سنوات نجحت في الشهادة الإبتدائية “السرتفيكا” في اللغتين العربية والفرنسية، وتركت المدرسة، وانتقلت الى تكميلية حوض الولاية الرسمية وبعد ثلاث سنوات نجحت في شهادة البريفه، ومن ثمَّ انتقلت الى ثانوية الطريق الجديدة بيروت حيث نجحت في البكالوريا ومن ثُمٍ في الفلسفة.
وبعد ذلك تسجلت في الجامعة اليسوعية بعد الخضوع لامتحان وطلعت الثاني وكان الفرق بيني وبين الأول نصف علامة. وتسجلت في مادة العلوم السياسية وفي الوقت ذاته خضعت لامتحان كاتب متمرٍن بالبريد المركزي لأتمكّن من دفع قسط الجامعة من راتبي وأمضيت مدّة ثلاث سنوات منذ حوالي العام ١٩٥٧. وبعدها نقلت الى التفتيش المركزي في العام ١٩٦٢. وتسجلّت في الجامعة اللبنانية اختصاص مادة الحقوق ونلت الإجازة، ومن فئة رابعة محرّر خضعت لمباراة في معهد الإدارة التابع لمجلس الخدمة المدنية وبعد أن نجحت أصبحت من الفئة الثالثة، ومن ثمّ خضعت لامتحان وظيفة فئة ثانية في مجلس الخدمة المدنية في معهد الإدارة، وبعد سنتين من الدراسة، نجحت وعُيّنت رئيس قسم في قائمقامية مرجعيون ثم كلّفت من وزارة الداخلية بأعمال القائمقامية. بعدها نقلت الى قائمقامية أميون في الكورة بصفة رئيس قسم. ثم كلٍفت بمهام قائمقام الكورة وبعدها نُقلت الى قائمقامية جبيل حوالي العام ١٩٧٥ – ١٩٧٦ بعد أن قضيت مدّة سنتين في الكورة.

في العام ١٩٩٩ بعد بلوغي السن القانوني أحلت الى التقاعد وعدت الى بلدتي اجدبرا وضميري مرتاح لكل الأعمال التي قمت بها متابعاً نشاطاتي في الحياة الاجتماعية.

الإنجازات
خلال مهامي في قائمقاميّة جبيل أنشأت حوالي ٢٠ بلدية في بلاد جبيل، كذلك اتحاد بلديات جبيل برئاسة الاستاذ فوزي كرم ونيابة السيد جوزيف سعيد.
ومن أعماله إطلاق عيد الأب فقال: “اجتمعت بالجمعيات التي كانت تُعنى بهذه الأعياد، وطرحت فكرة عيد الأب اللبناني وكان ترحيب وإجماع.
وفي ٢١حزيران من العام الماضي ٢٠٢٤ كرّمت رئيسة جمعية عيد الأب السيدة نوال أبي شديد القائمقام باستيد منعم بصفته مؤسّس عيد الأب وكنت برفقته بحضور نخبة من الآباء والأمهات الذين تكرّموا وألقيت كلمات بالمناسبة أشادت بالمؤسّس على غداء تكريمي في مطعم “عل البحر” وشربوا نخب المناسبة. وألقى القائمقام باستيد الكلمة التالية:
تعود بي الذاكرة الى ٣٧ سنة مضت. لوهلة كنت حائراً من أين أبدأ، وإلى أين أنتهي. كنت أحسبني أغرق في المرحلة في حنايا الأشياء التي تخرج من البال فتستقرّ في الذاكرة.
سلفاً تجيئك الكلمات من انسياب الحالات المشرقة، لكأنه الضؤ في البواطن الداكنة.
وإني أذكر تلك اللحظة التي اجتمعت فيها عدد من سيدات جبيل المحترمات، ومن بينهنَّ نوال أبي شديد، في مكتبي، فكان لقاء، وكان وعد وإيجاب. وكانت جمعية تكريم الأب في جبيل تعمّ كلّ لبنان، وكان يوم ٢١ حزيران عيد الأب في لبنان، بموافقة رئيس مجلس الوزراء حينها، الرئيس ميشيل عون.
لأربعين سنة خلت، كان هنا حركة وناس مشوا مع التاريخ.
وها هنَ اليوم يُجدّدنَ الذكرى. وما أحلاها.

وبمناسبة الأول من شهر آب في خلال حفلة تكريم أقامتها السيدة أبي شديد ألقى القائمقام
القصيدة التالية:
سلام أيّها المتجندون لخدمة ربعكم، مترهّبينا
إلى آبائنا من أوجدونا، بفضل الله نحيا آمنينا
إلى الآباء يطلقه البنونا
سلام أيها الجيل المفدّى ومَنْ خرّجت قوّاداً وجندا
ومن جاهدت فوق الجهد جهدا
ومن أحرزت فوق المجد مجدا
ولم تتعب وأتعبت السنينا.

ومن الإنجازات أيضاً
تأسيس رابطة أبناء البترون
ويذكر القامقام باستيد وكان مقرّر الرابطة أنّه عملنا مع نخبة من أبناء البترون على تأسيس الرابطة حوالي العام ١٩٦٠ وكان عددهم يتجاوز الثلاثين ومعظمهم من المقيمين في بيروت من مختلف الشخصيات، رجال دين ودنيا مثل الأب يوحنا قمير، الوزير إميل البيطار، الدكتور جورج سعاده، قائمقام راشيا حليم طربيه، حنا سليمان، أنطوان قهوجي، إميل أبي نادر، وكنّا نعقد لقاءات في منازلنا في بيروت للتباحث في شؤون المنطقة وإقامة لقاءات وعشاءات تكريمية لرجالات متفوقين في نطاق عملهم ونشرب نخبهم.

ومن الإنجازات سعيه لتأسيس بلدية في بلدته إجدبرا وتسلّم رئاستها بعد أنطوان منعم، ويذكر بأن هندسة القصر البلدي تقدمة من ابنه المهندس نبيل، ووفق الهندسة التراثية. وأمل خلال تسلّمه مهامه في البلدية بأن تكون بلدته نموذجية تفتخر بها البلدات البترونية واللبنانية على السواء، الاهتمام بتراث البلدة وآثارها والمحافظة على البيئة… وعمل مع مجلسه البلدي على إطلاق حملة تشجير شملت جوانب الطرقات بالبلدة وبخاصة تشجير ١٥٠ نصبة أرز من الصنف اللبناني. وكما اهتمامه بالبيئة اهتمامه بالثقافة فقد إتخذ قراراً ومجلسه البلدي بإنشاء مكتبة عامة في مبنى البلدية وأن يكون مجمّعاً لمستوصف خيري وجمعية تعاونية زراعية وكان في كلّ عام احتفاء بعيد شفيع بلدته مار سابا على عشاء قروي تكرّم البلدية فيه الطلاّب الناجحين. وهذا جزء من فيض.

بين الأمس واليوم القائمقام رجل الانماء
من أبرز الإنجازات التي حصدها القائمقام باستيد منعم خلال عمله في قائمقامية جبيل خلال تولّيه مهامه:
إنعاش العاقوره بحيث كان له الفضل في إيصال مياه الشفة من نبع أفقا الى البلدة وكان ذلك بتاريخ ٩ كانون الثاني من العام ١٩٧٧، وقد أثنى أبناء البلدة على هذه المبادرة والتي شملت طرقاً وإنارة.

سعيه لإنشاء مدرسة تابعة للمديرية العامة للتعليم المهني والتقني في منطقة إدّه وفقاً للمرسوم الحامل الرقم ٢٨١٦ وقد ُخصّص لهذه المدرسة كامل العقار ٢٩٥ المسجّل باسم الدولة اللبنانية وزارة التربية الوطنية والفنون الجميلة، وتبلغ مساحة العقار أربعين ألف متراً مربّعاً على أن يُقام الى جانب المدرسة المهنية مركز للتدريب المهني. وهذا المطلب يشمل سعيه في كتاب رفعه الى دولة الرئيس الشيخ رفيق الحريري خلال زيارته لتدشين مصنع في جبيل.

تدشين سنترال جبيل بحضور نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية ميشال المر. كما عمم سنترالات الهاتف في معظم القرى والبلدات الجبيلية مثل في العاقورة واهمج وبجة والمنصف وغيرها.

وقد عُرفَ عن القائمقام باستيد منعم حبٍه للعلم وللثقافة فكان ملبّياً دعوات النشاطات الثقافية والفنّية وتوقيع كتب. وهو شاعر وأديب ترّبٍى وتتلمذ على يدي والده الشيخ لويس الذي انتخب شيخ صلح في العام ١٩٣٤ وبقي في مهامه لغاية العام 1952. أمّا والدته ماريا فكانت سيّدة فاضلة مؤمنة وقد أخذ باستيد من الاثنين الصلابة والتقوى فعمل بوحي من ضميره في السهر على تلبية مطالب أبناء مجتمعه والعمل على تحقيقها.
والجدير ذكره أنّ القائمقام الأديب والشاعر باستيد منعم والذي سلخ من عمره إثنين وأربعين سنة موظفاً منضبطاً وصولاً الى رتبة قائمقام ومن ثم أمين سر عام محافظة جبل لبنان، لم يغلق باب مكتبه في وجه أحد. فقد خرج من مكتبه الى منزله في بلدته إجدبرا نظيف الكف ومرتاح الضمير له منّا الشكر والثناء. وأخلص الى قصيدة وجدانية مهداة “الى أم البنين” (شريكة حياته صونيا) كأنّي بها أقول وراء كل عظيم امرأة:
أعوامُنا مرّت ولم ندرِ كالشمسِ ُمشرقةً وكالبدرِ
والليلُ لم ُيدرك َمرامينا ما إنْ نَفِقْ يرحلْ مع الفجر
ما كَدّرَ الواشي معيشتَنا قد خابَ ظنّ الحاسدِ الغُرّ
قد زُدتِ عَنٍي ُكلَّ نائلةٍ انتِ المُنى يا روضةَ العُمر
طابتْ لنا الأيام فابتسمي حُلوٌ جمالُ الوردِ في الثغر
أنتِ بهذا الكون ظاهرةٌ غنّيتها شعراً مع النثر
أيامُنا الزهراءُ قد نفحت هذا اليراعَ برائعِ الشّعر
دانت لنا الأحلام فابتسمي لينا اضاءت شعلة السرٍّ
يا حُسنَ ما أنجبت ويا ولهي فنبيلُ من اثمارِكِ الغرّ
ميرنا بفتنتها أخال بها أًمَّ البنينِ وآية السحر
من ذا رأى الآمالَ هازجةً في عين رانية وفي البُشر
ربيّ صنيعُك كلّه مِننٌ فاقبل رجاءَ المؤمن البرّ
أوليتني نعماً تُؤهّلني لرضاكَ يغمرني مع الدهر
سلّمتني الوزنات أُرجعها عشرات وزنات مع الشكر.

هكذا هو باستيد منعم… مدرسة في التواضع، وذاكرة من ضوء
لم يكن مجرد قائمقامٍ أدار شؤون الناس، بل إنسانٌ أدار قلبه بحبٍّ نحوهم. ترك الوظيفة واحتفظ بما هو أثمن: نظافة الكف، وسلامة الضمير، وودّ الناس.
في زمنٍ تتبدّل فيه القيم، يبقى أمثاله حجّة على الأجيال، ودليلاً على أن المناصب تزول، لكنّ الأثر يبقى، لأنّه ببساطة… خُطّ بالصدق لا بالحبر، بالتواضع لا بالكبرياء، وبالمحبّة التي هي أسمى من كلّ المناصب والمسؤوليات.

 

 

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,805