بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا

في زمنٍ ترتفع فيه الجدران بين الشعوب أكثر مما تُرفع الجسور، وفي عالمٍ تزداد فيه المسافات بين البشر رغم كل أدوات التواصل… يبرز اسم المهندس جو سُكّر كأحد وجوه الاغتراب اللبناني في أستراليا الذين اختاروا أن يعاكسوا الاتجاه السائد: فبدل أن يرفعوا الحواجز، راحوا يشيّدون مساحات لقاء، وبدل أن يوسّعوا الفروقات، سعوا إلى تكريس العلاقات الانسانية المشتركة

من سيدني، المدينة التي أصبحت وطناً ثانياً لمئات آلاف اللبنانيين، أسّس جو سُكّر مسيرته المهنية والإنسانية معًا، ليصبح اليوم رئيس المؤسسة الاجتماعية لحوار الحضارات، وهي مؤسسة تُعنى بترميم العلاقات بين الثقافات والديانات، وتفعيل لغة التفاهم بدل لغة الانقسام.

بداية جو كانت في عالم الهندسة المعلوماتية، حيث شقّ طريقه بكفاءة ومثابرة، مثبتًا أنّ النجاح في الاغتراب لا يحتاج سوى إلى الإصرار والجدّية. غير أنّ نجاحه المهني لم يمنعه يومًا من حمل همّ مجتمعه اللبناني والعربي، ولا من السعي إلى تصحيح الصورة النمطية عن الشرق وأبنائه.

هاجر جو إلى استراليا سنة ١٩٩٤في ظرف كان لبنان يعيش حالة اللا دولة وفي ظل وصاية تحكّمت بكل مفاعيل الحياة السياسية والاجتماعية.
السبب الرئيسي للهجرة كان لإيجاد متنفس للحرية ولخدمة لبنان بلد سيد حر ومستقل، ولجمع الطلقات اللبنانية لخدمة هذا الهدف.
تخرّج من الجامعة اللبنانية الفرع الثاني في الهندسة المعلوماتية وعمل في شركة استشارات للمعلوماتية لمدة ثلاث سنوات قبل ان يترك لبنان.
أسس شركة
I.S.T Business Solutions لخدمة المعلوماتية في سدني سنة ١٩٩٩ وظيفة هذه الشركة هي تنفيذ عقود عمل مع الشركات وابتكار الحلول وإنشاء برامج معلوماتية لتسهيل عمل المؤسسات في مجلات عدة
Retail management
Banking system
Property management
Import/Export Management

ويقول وكوني مهندس معلوماتية. فقد أنتجت مشاريع معلوماتية عالمية. والان مؤسستي المعلوماتية هي شريك مع شركة Cyberglobal العالمية في استراليا.
الهجرة الى اوستراليا لم تنسه وطنه بل كان مبادرا الى اقامة المشاريع المتطورة في لبنان فيقول
عرضت عدة مرات مشاريع على الدولة اللبنانية في مجالات عدة وقد وضعت على طاولة مجلس الوزراء في عدة حكومات ومنها
E-GOV لتسهيل معاملات اللبنانيين عبر الانترنيت في البعثات الدبلوماسية
تقديم مشروع لمكننة الصادرات والواردات الجمركية
هذه السنة عرضت مشروع cybersecurity في كل وزارات الدولة ونسعى إلى أخذ مساعدة من الحكومة الاسترالية لدعم هذا المشروع

ويضيف :أنا لا أنسى فضل لبنان علي ان كان من تحصيل العلم في مدارس وجامعات لبنان وتكوين شخصيتي المحبة للسلام والحوار والتفاهم بين مختلف الثقافات

فربما نشاتي في بلدتي بشري جعلتني أنمو على حب العلاقات والجمع بين مختلف المكونات لا سيما ان واقع منطقتنا وعلاقات عائلاتنا مع المجتمع المختلف ان كان حسن الجوار في البقاع وان كان حسن الجوار مع الشمال اللبناني
هكذا، ومع تراكم الخبرات والمحطات، انتقل جو من هندسة المعلوماتية إلى هندسة العلاقات الإنسانية… ومن رسم الخرائط الهندسية إلى رسم خرائط التفاهم بين الشعوب.

رغم أن جو سُكّر هاجر بالجسد إلى أستراليا، إلا أنّ روحه بقيت معلّقة بلبنان. فهو ابن بشري، البلدة التي تعانق «غابة الأرز» الخالدة، ويستمد منها جذور الانتماء والصلابة. لم يبتعد يومًا عن وطنه بما يكفي لينساه، ولا اقترب من الاغتراب بما يكفي ليبتعد عنه.
فهو من أولئك الذين ازدادت علاقتهم بلبنان كلما ابتعدوا عنه، رسّخها في قلبه قبل أن يرسّخها في عمله.

وعلاقته بالجالية اللبنانية في أستراليا علاقة احترام ومحبة وتواصل دائم. لم يقصّر يومًا في مساعدة أي لبناني يصل إلى سيدني، فيقف إلى جانبه بما أوتي من إمكانيات وقدرات، بصمتٍ ونُبلٍ ودون أن تدري يده اليمنى ما تفعله اليسرى.
هكذا، أصبح بالنسبة لكثيرين «بيتًا» قبل أن يكون شخصًا، و«تجربة إنسانية» قبل أن يكون رئيس مؤسسة.

تحت رئاسته، تحوّلت المؤسسة الاجتماعية لحوار الحضارات إلى مساحة لقاءٍ حقيقية، تجمع كبار المفكّرين، والفعاليات الثقافية والدينية، والجاليات المتنوعة.
هي ليست مجرد مؤسسة، بل رسالة بأنّ العالم يستطيع أن يلتقي عند كلمة سواء، وأنّ الحوار ليس رفاهية، بل ضرورة لحياةٍ أكثر سلاماً واستقراراً.

وفي إطار هذا الحوار، يعمل جو سُكّر على تعزيز العلاقات بين الجاليات اللبنانية المتنوعة في أستراليا، ليكون صلة الوصل بينها وبين الوطن الأم. فالحوار بالنسبة إليه ليس نشاطًا عابرًا، بل جسرًا يمتد بين سيدني وبيروت، لتبقى الجالية جزءًا لا يتجزأ من صورة لبنان الثقافي والحضاري.

ولأن الأرز هو رمز لبنان الباقي عبر الزمن، يسعى جو سُكّر اليوم إلى زرع غابة أرز في أستراليا تحمل طابعًا رمزيًا، لتكون مساحة خضراء تستحضر هوية الوطن وقيمه أينما حلّت.
هذا المشروع يعمل عليه بالتعاون مع نادي الشرق لحوار الحضارات في لبنان، في خطوة تعكس مدى الرابط الذي يصرّ على إبقائه حيًّا بين موطنه الأول ومجتمعه الجديد.
إنها محاولة لإعادة زرع لبنان في الاغتراب، ولإعطاء الأجيال القادمة «غابة» تستنشق منها ذاكرة الوطن.
وعن حبه بل عشقه للارز يقول:
حبي للأرز اللبناني كرمز حضاري ثقافي ديني جاء بحكم وظيفة الوالد كمسؤول عن مشاريع التحريج في الشمال التابع لوزارة الزراعة وكانت مسؤلية والدي الحفاظ على غابة أرز الرب، زرع شتول الأرز وتحريجها خارج سور الأرز وكذلك توزيعها إلى كل المناطق اللبنانية ليتم زرعها. فمنذ طفولتي وأنا اذهب برفقة الوالد إلى غابة الأرز واشاهد العمال كيف يعملون بكل جدّ واخلاص
اما حبي للسلام والحوار فجاء نتيجة التربية التي اعطانا إياها الوالد وهي صفات كان يتمتع بها حيث يسعى للصلح بين المتخاصمين وغالباً ما تكلّلت أعماله بالنجاح حتى أطلق عليه شيخ صلح.
لا ينسى جو جذوره اللبنانية، ولا يخفي اعتزازه بأنه ابن وطنٍ أعطى العالم قديسين وفلاسفة ومفكرين. لذلك حمل لبنان معه إلى أستراليا… حمله في رؤيته، في مبادراته، وفي حرصه على أن يظل اللبناني، أينما حلّ، رسول لقاء، وسفير محبة.فكان اكثر من قنصل وسفير وما احوجنا في لبنان الى امثاله اكان في الندوة البرلمانية او مجلس الوزراء.

المهندس جو سُكّر اليوم من الوجوه اللامعة في الجالية اللبنانية، ومن الشخصيات التي تجمع حولها احتراماً من مختلف الجاليات لا لسلطته أو منصبه، بل لإنسانيته وكرمه وصدقه ورقي التعامل معه قبل كل شيء.

في عالمٍ يبحث عن صوت العقل، يطلّ جو سُكّر كأحد الذين اختاروا أن يجعلوا الحوار أساسًا لحياةٍ مجتمعية صحية.
ومسيرته بكل ما فيها من قيم وعطاء، ليست إلا نموذجاً يُحتذى في الاغتراب اللبناني الذي يرفع اسم وطنه بالعلم وبالأخلاق وبالعمل المشترك.
جو سُكّر ليس مجرد رئيس مؤسسة… إنه رسالة وقيمة ونموذج لِما يمكن أن يقدّمه اللبناني حين تتاح له الفرصة.
هو صورة مشرقة من صور الاغتراب، ورجلٌ آمن بأن «حوار الحضارات» ليس شعاراً، بل مسؤولية… وأنّ العالم لا يُبنى بالعنف، بل بالتفاهم.
ولأنه ابن لبنان مهما ابتعد، فهو يبنيه بالحوار… ويخلده بالأرز… ويرفعه بالعمل الهادئ الصادق والهادف…

 


شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,260