بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
في وطنٍ تتقاذفه الأزمات، يبقى الجيش اللبناني خشبة الخلاص الأخيرة، والضمانة الفعلية لبسط سلطة الدولة، وحفظ الأمن، وصون الأرض والعِرض. هو المؤسسة التي لم تتعب من حمل أوجاع اللبنانيين، ولم تتراجع أمام التحديات، بل بقيت على العهد: حاميةً للسيادة، وساهرةً على كرامة الوطن.
من بين صفوف هذه المؤسسة، تخرج رجالٌ صنعوا من الانضباط عقيدة، ومن التضحية أسلوب حياة. ومن هؤلاء، يبرز اسم العميد المغوار المتقاعد فارس يوسف الخوري… شخصية تختصر مسيرة وطن، وتروي حكاية عمرٍ في خدمة لبنان سيرة مشرقة كواحدة من الحكايات النادرة التي تختصر معنى الانتماء الحقيقي، وتعيد التذكير بأن الجيش كان وسيبقى صمّام الأمان الأخير للوطن.
من بجة… إلى ميادين الشرف
وُلد فارس يوسف الخوري في 4 /1/ 1955 في بلدة بجة – قضاء جبيل، تلك البلدة التي أنجبت رجالًا عرفوا معنى الانتماء الحقيقي. نشأ على القيم الوطنية الصلبة، وتلقى علومه متسلحًا بثقافة متعددة، حيث أتقن العربية إلى جانب الفرنسية والإنجليزية.
في 22 أيلول 1980، اتخذ قراره المصيري: التطوع في صفوف الجيش اللبناني. لم يكن خيارًا عابرًا، بل التزامًا عميقًا بطريقٍ يعرف صعوبته. وبعد ثلاث سنوات، تخرّج برتبة ملازم، ليبدأ رحلة التدرّج العسكري بثبات وكفاءة.
مسيرة عسكرية حافلة… من المخابرات حيث أمضى فيها سبع سنوات، صقل خلالها خبراته الأمنية والاستخباراتية، قبل أن ينتقل إلى لواء المشاة العاشر، ثم إلى أفواج التدخل الأول والثالث، فمدرسة القوات الخاصة.
تنقّل بين مواقع عدة، من سرية القيادة والخدمة حيث عُيّن آمرًا لها، إلى فوج المغاوير، حيث تولّى مسؤوليات دقيقة، وكان رئيس الفرع الرابع عام 1996، في مرحلة مفصلية من تاريخ لبنان.
تدرّج في الرتب العسكرية بثبات: من ملازم إلى ملازم أول، فنقيب، فرائد، فمقدم، فعقيد، وصولًا إلى رتبة عميد. ولم يكن هذا التدرج شكليًا، بل ترافق مع مسؤوليات ميدانية وإدارية متزايدة، شملت:
معسكر خدمة العلم
ألوية المشاة

من مؤسسي القوة الضاربة

المركز العالي للرياضة العسكرية،
قيادة مدرسة التزلج
قيادة كتيبة المشاة في اللواء العاشر
مهام في أركان الجيش
رئاسة القسم الرابع في لواء المشاة الثامن
رئيس قسم التأليل في معهد التعليم العسكري

دورات… وخبرات تصنع القادة
خضع العميد الخوري لسلسلة من الدورات العسكرية المتقدمة، من أبرزها:
دورة سوق،
دورة ضابط مغوار
دورة معلم صاعقة _ وكان طليع الدورة
دورة التزلج العسكري
دورات باللغة الإنجليزية
دورات تقنية وعلى الصواريخ
تدريبات في مكافحة الإرهاب والعمل الأركاني
إضافة إلى مشاركته في دورات خارج لبنان، ما أتاح له الاطلاع على تجارب عسكرية دولية متقدمة.

في الميدان… حيث تُكتب البطولات
لم تكن مسيرته مكتبية، بل ميدانية بامتياز. شارك في معارك عدة، سطّر فيها الجيش اللبناني صفحات مشرّفة، وكان له دور بارز في معركة نهر البارد، إلى جانب اللواء الركن الشهيد فرانسوا الحاج.
هذه المعركة التي شكّلت محطة مفصلية في مواجهة الإرهاب.

أوسمة… وشهادات تقدير

نظير خدماته، مُنح العديد من الأوسمة، أبرزها:
وسام الأرز الوطني (رتبة فارس) ثم رتبة ضابط
وسام الاستحقاق اللبناني (درجتان ثانية وثالثة)
وسام الحرب
شوسام فجر الجنوب
وسام الوحدة الوطنية
وسام التقدير العسكري
كما نال أكثر من 35 تنويهًا وتهنئة، بينها 26 تهنئة من قائد الجيش، تقديرًا لجهوده وانضباطه.
من البزة العسكرية… إلى الحياة المدنية
في 10 تشرين الأول 2010، أُحيل إلى التقاعد برتبة عميد، لكنه لم يتقاعد من الانتماء الى الارض التي احبها فعاد إلى بلدته بجة، حيث يعيش بين أهله، محاطًا بعائلة كريمة تفخر بمسيرته، كما يفخر به أبناء بلدته…علما ان ارتباطه بالمؤسسة العسكرية لم يتزحزح،فكان يقيم كل سنة في كنيسة البلدة في بجة قداسا لقسم من اهالي الشهداء  يعقبه غداء في دارته بمن فيهم الذين اصيبوا على الجبهات او الشهداء الأحياء،كما رافق العماد جوزاف عون في زيارته الى استراليا نظرا لعلاقاته الطيبة مع ابناء الجالية هناك وعمل على تنظيم عدة لقاءات وكانت زيارة ناجحة بامتياز.
يقول بثقة: “لا أندم على شيء. ولو عاد بي الزمن، لاخترت الجيش مجددًا.”
بالنسبة إليه، الانتماء إلى المؤسسة العسكرية هو انتماء للأرض، للإنسان، وللجذور.
رأي واضح… لا خلاص إلا بالدولة
لا يخفي العميد الخوري امتعاضه من الحملات التي تستهدف الجيش بين الحين والآخر، ويؤكد أن لا خلاص للبنان إلا بقيام دولة واحدة، وسلطة واحدة، وجيش واحد قوي قادر على حماية الوطن.

ختامًا…
فارس يوسف الخوري ليس مجرد ضابط متقاعد، بل هو نموذج لرجلٍ عاش لوطنه، وآمن بأن الجيش ليس وظيفة، بل رسالة. في سيرته، نقرأ حكاية وطنٍ لا يزال يقاوم… برجاله…هذا الوطن عصي على الزوال ومهما اشتدت الظروف وكثرت التحديات فالقيامة آتية لا محالة،فهذا الشعب يستحق الحياة الكريمة،ارضنا مقدسة ومباركة وهذا ارز الرب لكل مشكك ومرتاب…

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554356
Total views : 7243265