
بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
في الخامس والعشرين من نيسان من كل عام، تتوقف أستراليا ونيوزيلندا، ومعهما عدد من الدول الصديقة، عند محطة وطنية وإنسانية كبيرة تُعرف بـ”يوم أنزاك”، وهو اليوم الذي يُخلَّد فيه ذكرى الرجال والنساء الذين خدموا أو ضحّوا في الحروب والصراعات وعمليات حفظ السلام، دفاعًا عن أوطانهم وقيم الحرية والكرامة.
ويُعد هذا اليوم من أبرز المناسبات الوطنية في أستراليا، حيث تتوحد فيه مشاعر الشعب الأسترالي بكل أطيافه، وتُقام مراسم رسمية وشعبية واسعة تبدأ مع ساعات الفجر الأولى، من خلال الصلوات والمسيرات ووقفات الصمت، تكريمًا لمن قدّموا أرواحهم في سبيل الوطن، وتقديرًا لكل من حمل مسؤولية الخدمة العسكرية والإنسانية. وفي هذا اليوم، تستعيد المدن الأسترالية ذاكرة البطولة والتضحية، وتُرفع الرايات بخشوع، وتُستعاد صفحات مشرقة من تاريخ رجال ونساء كتبوا بدمائهم معنى الوفاء للوطن.
إن “يوم أنزاك” لا يقتصر على كونه ذكرى تاريخية فحسب، بل هو مناسبة متجددة تعبّر عن معاني الوفاء والاحترام والشجاعة والتضامن الوطني، وتُبرز مكانة الإنسان الذي يضحي من أجل الآخرين. كما يشكّل درسًا للأجيال الجديدة في أهمية الانتماء، وتحمل المسؤولية، وصون السلام، والإيمان بأن الأمم القوية تُبنى بالتضحيات والعمل والإخلاص.
وبهذه المناسبة، نتوجه بأسمى آيات التحية والتقدير إلى الدولة الأسترالية، حكومةً وشعبًا، على حفاظها الراقي على هذا الإرث الوطني النبيل، وعلى ثقافة الوفاء التي تُجسدها في كل عام بكل احترام وهيبة. كما نحيّي الشعب الأسترالي المعروف بقيمه الإنسانية، وتعدديته الثقافية، وانفتاحه الحضاري، والذي يثبت دومًا أن الأمم العظيمة هي تلك التي تحفظ ذاكرة تضحيات أبنائها، وتصون تاريخهم، وتورّث للأجيال قيم التضحية والانتماء.
تحية لأستراليا في يوم أنزاك، يوم الكرامة والوفاء، وتحية لكل من خدم وضحّى من أجل أن يبقى السلام ممكنًا، والوطن عزيزًا، والإنسان مصان الكرامة والحقوق.
كما نستذكر في هذه المناسبة العلاقة الإنسانية العميقة التي جمعت أستراليا بلبنان، حيث قدّم الجيش الأسترالي خلال الحرب العالمية الاولى شهداء على الأرض اللبنانية في محطات تاريخية هامة، ولا تزال ذكراهم حاضرة في الوجدان، من خلال المدافن والنصب التذكارية القائمة لهم في كلٍّ من طرابلس والجنوب وقصقص في بيروت، كشاهدٍ على صفحات من التاريخ المشترك والتضحيات والدماء الذكية التي امتزجت بأرض لبنان.
وفي كل عام، تحرص السفارة الأسترالية في لبنان، بمشاركة أبناء الجالية اللبنانية والأسترالية وبعض المسؤولين الرسميين، على إحياء هذه الذكرى عبر مراسم تكريمية تُوضع خلالها باقات الورود على الأضرحة والنصب وتعزف الاناشيد مع القاء كلمات، في مشهد يعبّر عن أسمى معاني التقدير والإجلال والاحترام والوفاء لمن بذلوا أرواحهم في سبيل الواجب. وهي مبادرة تحمل الكثير من الرمزية، وتؤكد عمق العلاقات الإنسانية بين الشعبين الصديقين،وبين استراليا ولبنان.
كما يحمل هذا المشهد رسالة حضارية راقية مفادها أن الشهداء لا يغيبون، وأن التضحية لا تُنسى، وأن الأمم التي تعرف كيف تكرّم أبناءها تبقى أكثر رسوخًا في التاريخ وأكثر احترامًا في ضمير العالم.
إنها رسالة نبيلة تؤكد أن التضحيات الكبرى تبقى حيّة في ذاكرة الشعوب، وأن الأمم الراقية تظل وفيّة لشهدائها أينما كانوا، وتُحسن صون ذكراهم جيلاً بعد جيل، لأن الوفاء ليس مناسبة عابرة، بل ثقافة وطنية راسخة، وقيمة أخلاقية سامية.
في يوم أنزاك، تقف أستراليا شامخة بتاريخها، معتزة بأبطالها، وفيةً لمن صنعوا مجدها، ويقف معها كل محبّ للكرامة والوفاء، احترامًا لشعب يعرف معنى التضحية، ولدولة جعلت من الذاكرة الوطنية منارةً للأجيال القادمة.








Total views : 7243335