بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
شخصيات لبنانية في استراليا

في زمنٍ تتكاثر فيه الأسماء، وتندر فيه الشخصيات التي تجمع بين النجاح والوفاء والانتماء… يبرز اسم الدكتور أنطوني سعيد الهاشم نموذجًا مشرّفًا لرجلٍ صنع ذاته بعرقه، ولم ينسَ يومًا جذوره الأولى، ولا الأرض التي خرج منها الحلم…
هو من أولئك الذين وُلدوا في أستراليا، لكنهم تربّوا على حب لبنان، وحملوا هويته في القلب والوجدان. فوالده الراحل سعيد الهاشم كان قد هاجر إلى أستراليا عام 1950، كباقي أبناء بلدته بحثا عن فرصة حياةٍ أفضل، لكنه لم يقطع يومًا خيط الحنين إلى الوطن. وبعد سنوات من الاغتراب، عاد الوالد مع عائلته إلى لبنان عام 1973 كعودة العاشق إلى أرضه، وعودة المؤمن بأن الوطن لا يُستبدل مهما اتسعت الدنيا…
وهكذا نشأ أنطوني بين ربوع تنورين ولبنان، وتفتّحت عيناه على جمال القرية، وعلى قيم العائلة، وعلى دفء الانتماء، لكنه عاش أيضًا سنوات الحرب اللبنانية بكل ما حملته من خوف وقلق وتحديات… ومع ذلك، بقيت العائلة متمسكة بالبقاء في لبنان، مؤمنةً بأن الأوطان لا تُترك في المحن…
تعلّم في لبنان، وبدأ رحلته الجامعية، لكن الظروف الصعبة التي عصفت بالبلاد دفعت به لاحقًا إلى السفر منفردًا إلى أستراليا عام 1989، بحثًا عن العلم والمستقبل. وهناك كان شقيقه الأكبر قد سبقه إلى الاغتراب، فاحتضنه بمحبة الأب وحنان الأخ، فلم يشعر بالغربة كما يشعر كثيرون، بل شعر فقط بالاشتياق إلى أهله الذين فضّلوا البقاء في لبنان رغم كل الظروف القاسية.
في أستراليا، بدأ فصل جديد من حياته، عنوانه الطموح والعمل والاجتهاد. تابع دراساته العليا، ونال شهادات متقدمة دكتوراة في الهندسة والإدارة وعلم في اهم جامعات سيدني،وقد تُوّجت مسيرته الأكاديمية بحصوله على:
بكالوريوس في الهندسة المدنية (مرتبة الشرف الأولى) – جامعة سيدني
ماجستير في هندسة الخرسانة مسبقة الإجهاد – جامعة سيدني
دكتوراه في هندسة المنشآت الفولاذية – جامعة سيدني
دكتوراه في إدارة الأعمال…
ثم انطلق في عالم الأعمال بثقة وكفاءة، فأسس شركات ناجحة في أستراليا ولبنان وعدد من الدول العربية، وترك بصمات واضحة في مجالات الهندسة والبناء والاستثمار…
وكان يؤمن دائمًا أن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا إذا عاد نفعه إلى الناس. لذلك فتح أبواب الفرص أمام الشباب اللبناني، وسعى إلى توظيفهم في لبنان عبر مكتبه وفي الخارج عبر شركاته، واضعًا خبراته وعلاقاته في خدمة أبناء وطنه، لأن أفضل دعم للشباب هو منحهم فرصة عمل تحفظ كرامتهم وتصنع مستقبلهم،وهذا ما يفعله مع اولاده ايضا فهو أب 3 فتيات، يحرص على دعمهن وتشجيعهن على خوض مجال الهندسة، تمهيدًا لمشاركتهن مستقبلًا في متابعة وتطوير أعماله وشركاته…
ومن هنا ومن خلال ما قام ويقوم به، تبرز خصوصية العلاقة الجميلة بين لبنان وأستراليا، تلك الدولة التي فتحت أبوابها لعشرات آلاف اللبنانيين، واستقبلتهم كمواطنين منتجين، ومنحتهم فرص النجاح والتميّز… فبرع اللبنانيون هناك في التجارة والطب والهندسة والسياسة والتعليم وسائر الميادين، وتبوأ كثيرون منهم أرفع المراكز، مثبتين أن اللبناني أينما حلّ يحمل معه طاقة النجاح والإبداع…
والدكتور أنطوني الهاشم واحد من هذه النماذج المضيئة، التي جمعت بين النجاح الشخصي والوفاء الوطني، فكان خير صورة عن الشاب اللبناني الذي يحوّل الغربة إلى مساحة إنجاز، لا إلى مساحة نسيان…
وفي زمن الأزمات، يظهر معدن الرجال… خلال جائحة كورونا، وفي أصعب مراحل الانهيار الاقتصادي اللبناني وإفلاس المصارف، كان من الذين مدّوا يد العون بصمت وكرامة، عبر نشاطه كمسؤول بارز في الليونز، حيث ساهم بالتعاون معهم في تقديم مساعدات إنسانية واجتماعية خففت عن كثيرين قسوة الأيام، وساعدت عائلات على الصمود والاستمرار…
أما تنورين، البلدة التي سكنت وجدانه، فلم تغب يومًا عن قلبه واهتمامه… فمن خلال رئاسته جمعية تنورين في أستراليا، عمل مع أبناء البلدة الأوفياء على دعم مسقط رأسهم، ومساندة أهلهم، وتقوية الروابط بين المقيمين والمنتشرين، واضعًا نصب عينيه أن البلدة التي أعطت أبناءها الحب والهوية تستحق الوفاء الدائم…
وكان دائم الاستعداد للمساعدة في كل مناسبة، مؤمنًا أن الانتماء الحقيقي لا يكون بالكلام، بل بالفعل والعطاء…وبصمت بعيدا عن البهرجة والاعلام.
وعندما تولّى رئاسة الرابطة المارونية في أستراليا، لعب دورًا فاعلًا في توحيد أبناء الجالية اللبنانية، وجمع الطاقات حول رؤية واحدة، وموقف موحّد تجاه وطنهم الأم لبنان، من أجل مساعدته في شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والثقافية… وكان يدرك أن الجالية حين تتوحد، تصبح قوة حقيقية للبنان في الخارج…
أنطوني الهاشم ليس مجرد رجل أعمال ناجح، ولا مسؤول اغترابي عابر، بل هو قصة شاب طموح بنى نفسه بنفسه، وحمل وطنه معه أينما ذهب. رجل يشبه السفراء في حضوره، ويتجاوز بعض القناصل في عطائه، لأنه اختار أن يكون سفيرًا للإنسانية، وقنصلًا للمحبة، ورسولًا للبنان الجميل في بلاد الاغتراب…
واذا اردنا تعداد انجازاته فهي كثيرة لكن ما يمكن الاشارة اليه نيله وسام أستراليا (OAM) عام 2021 تقديرًا لخدماته في قطاع الأعمال وخدمة المجتمع، إلى جانب تكريمات دولية ودينية تقديرًا لعطائه المهني والإنساني
وفي الحديث عنه، لا يمكن إلا التوقف أمام الشباب اللبناني في أستراليا وفي سائر دول الانتشار، أولئك الذين لم يبخلوا يومًا على وطنهم بالعطاء والدعم والتحويلات والخبرات والمبادرات… هؤلاء الذين حملوا لبنان في قلوبهم، وسندوه حين تعب، ووقفوا إلى جانبه حين تخلّى عنه كثيرون…ولولا جهود المنتشرين اللبنانيين، وعطاءاتهم المستمرة، ومحبتهم التي لا تنضب، لما استطاع لبنان أن يصمد في كثير من المراحل الصعبة. فهم دم الوريد وقلبه البعيد، وذراعه الممتدة، وخزانه الإنساني الذي لا ينضب.
هكذا هم الرجال الكبار… ينجحون لأنفسهم لكنهم يتقاسمون نجاحهم مع الناس الشرفاء، ويعملون لأوطانهم بإباء، ويبقون في ذاكرة الناس لأنهم حين ارتفعوا، لم ينسوا من بقي على الأرض…هؤلاء ما ينطبق عليهم قول المسيح : فليضيء نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الصالحة، ويمجدوا أباكم الذي في السماء…

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3554356
Total views : 7243265