بقلم نبيل حرب
لم تكن المباراة التي جمعت الحكمة والرياضي امس مجرد مواجهة رياضية، بل كانت مناسبة كان يفترض أن تعكس أجمل ما في الرياضة من تنافس وشغف واحترام. لكن ما سمعناه من ألفاظ نابية وشتائم صدحت من بعض المدرجات، أساء إلى اللعبة قبل أن يسيء إلى اللاعبين، وأثار القلق أكثر مما أثار الحماسة.
ليس عيبًا أن يعشق المشجع فريقه، وأن يهتف له، ويصفق، ويقرع الطبول، ويملأ المدرجات بالحماس. فالتشجيع هو روح الرياضة، وهو الذي يمنح المباريات نكهتها الخاصة. لكن العيب كل العيب أن يتحول التشجيع إلى منصة للشتائم، والتطاول على الكرامات، واستعمال التعابير البذيئة التي لا تمت إلى الأخلاق ولا إلى الرياضة بصلة.
إن ما صدر من بعض الجماهير لا يسيء إلى الفريق المنافس فحسب، بل يسيء أولًا إلى من يردده، وإلى صورة الرياضة اللبنانية بأكملها والى المشاهدين في بيوتهم. فالانتصار الحقيقي لا يكون بإهانة الآخرين، بل باحترامهم، حتى في لحظة المنافسة.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: كيف نشاهد بطولات عالمية تجمع منتخبات من دول خاضت فيما بينها حروبًا ونزاعات دامية، ومع ذلك تمر المباريات وسط احترام متبادل… نرى عشرات الآلاف من المشجعين يهتفون لمنتخباتهم، يرفعون أعلام بلادهم، يفرحون ويغضبون، لكنهم لا يحولون المدرجات إلى منابر للشتائم ولا للاعتداء على الكرامات.
أما عندنا، فبين فريقين لبنانيين ينتميان إلى وطن واحد، نسمع أحيانًا ما يخجل كل محب للرياضة ان يسمعه، وكأن المطلوب هزيمة الخصم أخلاقيًا قبل هزيمته رياضيًا.
الأخطر من ذلك أن مثل هذا الخطاب قد يشعل فتيل مشكلة لا تُحمد عقباها. فلو فقد أحد اللاعبين أو الإداريين أعصابه في الفريق الآخر، لتحولت مباراة كرة سلة إلى أزمة أمنية نحن بغنى عنها. وهنا تكمن مسؤولية الجميع: الأندية، والاتحاد، والأجهزة الأمنية، والإعلام، قبل كل شيء مسؤولية الجمهور نفسه.
الرياضة وُجدت لتجمع الناس لا لتفرقهم، ولتزرع الاحترام لا الكراهية. والفريق الكبير لا يصنعه عدد بطولاته فقط، بل أيضًا أخلاق جماهيره. والجمهور الواعي هو الذي يرفع اسم ناديه بأخلاقه قبل هتافاته.
نريد أن ننافس العالم في مستوى رياضتنا، لكن ذلك يبدأ من المدرجات. فالمدرج الذي يحترم خصمه هو الذي يستحق أن يحتفل بفريقه، أما المدرج الذي يبني انتصاره على الشتائم، فهو يخسر حتى لو خرج فريقه فائزًا.
لقد آن الأوان لأن نقولها بوضوح: شجعوا كما تشاؤون… غنوا، صفقوا، ارفعوا الأعلام، واملأوا الصالات بالحماس، لكن اتركوا الكرامات خارج المنافسة. فالرياضة أخلاق قبل أن تكون نتيجة، واحترام الخصم هو أول شروط الفوز الحقيقي.







Total views : 7259304