بقلم : نبيل حرب

قالها الرئيس بري ونقول نحن: … يا عيب الشوم!

جلسة مساءلة الحكومة، التي يفترض أن تكون مساحة لمحاسبة المسؤولين على ما يجري في البلاد، تتحوّل إلى تبادل للاتهامات، وإلى سجالات سياسية، بدل أن تتوقف عند هموم الناس وقضايا الناس المعيشية، هؤلاء الذين كفروا بالواقع المزري الذي يعيشون فيه.
كفروا بارتفاع أسعار البنزين والمازوت، وهم على أبواب الشتاء، ولا يعرفون من أين سيأتون بثمن التدفئة، وكيف سيواجهون موسمًا جديدًا من الغلاء.
كفروا بغلاء الأسعار والسلع، حتى الخبز ارتفع سعره، وكل شيء في هذا البلد بات يجد له حجة تبرّر ارتفاعه، مرة بسبب الوقود، ومرة بسبب الدولار، ومرة بسبب كلفة النقل، فيما المواطن وحده يدفع الثمن.
كفروا بارتفاع أسعار الأدوية والمستشفيات، وتكاليف الطبابة التي أصبحت فوق قدرة الناس. زيارة الطبيب وحدها قد تبلغ في بعض الأحيان مئة دولار، فأصبح الناس يخافون أن يمرضوا، ويخافون أن يتناولوا الدواء، ويخافون حتى أن يموتوا، لأن للموت نفسه كلفة قد لا يستطيع الأهل والأولاد تحمّلها!
كفروا بالضرائب والرسوم، وبالكهرباء التي لا تأتي إلا ساعات قليلة وبفاتورة خيالية، وبالمياه التي ندفع ثمنها، فتأتي أحيانًا ملوّثة، أو تغيب كأنها غير موجودة.
كفروا بارتفاع فاتورة الهاتف، وبالتهديد اليوم برفعها أكثر، وبإلغاء خدمة الأيام ليحلّ التشريج الشهري محلّها. وهذا، أيضًا، فن جديد لسلب الناس ما تبقّى في جيوبهم!
كفروا بارتفاع الأقساط المدرسية بشكل جنوني، وبأقساط الجامعات التي أصبحت أرقامها لا تشبه رواتب الناس ولا مداخيلهم، وكأن التعليم تحوّل من حق إلى رفاهية لا يستطيع تحمّلها إلا الميسورون.
كفروا بهجرة شبابنا، فلذات أكبادنا، إلى الخارج، ومعهم أرقى الشهادات وأحلامهم وطموحاتهم، لأن لبنان لم يعد قادرًا على تأمين فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم ومستقبلهم.
كفروا بعدم تصريف منتوجاتهم الزراعية، وها هم أصحاب بساتين التفاح وسائر المواسم الزراعية، يصرخون من عدم ضمان إنتاجهم وشرائه بالسعر المناسب. يزرعون ويتعبون، ثم يجدون أنفسهم أمام محصول قد لا يجد من يشتريه.
كفروا بحجز المصارف المصارف لمدخراتهم وجنى اعمارهم…
كفر الناس… وكفر صبر الناس.
كفروا بهذا الواقع الصعب؛ واقع الضرائب والرسوم والغلاء، واقع الدولة التي تأخذ أكثر مما تعطي، والمواطن الذي يدفع أكثر مما يستطيع.
هذا هو الذي كان يجب أن يُبحث في مجلس النواب.
كان يجب أن يكون السؤال: كيف نخفّف عن الناس؟
كيف نخفض الضرائب والرسوم؟
كيف نرفع بعض الأعباء عن كاهل المواطن؟
كيف نلغي الضريبة، أقله عن البنزين، أو نخفض الرسوم المفروضة عليه؟
كيف نخفّف كلفة الكهرباء والمياه والاتصالات والتعليم والطبابة؟
كيف نحمي المزارع؟
كيف نعيد أبناءنا إلى وطنهم بدل أن نواصل تصديرهم إلى بلاد الاغتراب؟
هذه هي الأسئلة التي تنتظر أجوبة.
أما أن تتحول جلسة مساءلة الحكومة إلى سجالات سياسية وتبادل للاتهامات، فيما الناس في الخارج تحسب ما بقي في جيوبها، فهذا لا يطمئن مواطنًا، ولا يطعمه، ولا يدفع عنه فاتورة مستشفى، ولا يدفئ منزله، ولا يؤمّن مستقبل أولاده.
يا سادة… الناس لا تريد خطبًا سياسية.
الناس تريد أن تعيش.
تريد كهرباء وماءً ودواءً وتعليمًا وعملًا.
تريد أن تأكل من تعبها، وأن تدفع من دخلها لا من كرامتها.
تريد دولة تسمع وجعها قبل أن تطلب منها المزيد من الضرائب والرسوم.
هذه هي قضايا الناس.
وهذه هي المساءلة الحقيقية التي تنتظرها الناس من مجلس النواب والحكومة.
فهل نرى يومًا جلسةً تكون فيها الناس هي السؤال… والناس هي الأولوية… والناس هي الجواب؟

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3566410
Total views : 7267251