بقلم : نبيل حرب
إذا وجع أحدنا سنُّه، صرخ: آخ.
وإذا اصطدمت يده أو جرح إصبعه، قال: آخ.
بل إن وخزة إبرة صغيرة تكفي أحيانًا لنطلق صرخة ألم.
لكن كيف لشعبٍ كامل أن يعيش كل هذا الوجع… ثم لا يصرخ؟
كيف للبناني أن يستيقظ كل صباح على همٍّ جديد، ثم يتابع يومه كأن شيئًا لم يكن؟
تنكة البنزين تجاوزت قدرة الناس.
إيجار منزل متواضع يبتلع معظم الراتب.
الكهرباء رفعت أسعارها، ومع ذلك لا تأتي، وإن جاءت جاءت معها فاتورة ترهق العائلات، حتى أصبح دفع مئتي دولار أمرًا عاديًا في بلدٍ لم يعد فيه شيء عادي.
الغلاء لم يترك شيئًا.
طال الخبز، واللحم، والأجبان، والألبان، والخضار، والدواء، والقرطاسية، وكل ما يحتاجه الإنسان ليعيش بكرامة.
بل إن بعض الخضار تُروى بمياه ملوثة، وتُرش بمبيدات يقال إنها تزرع الأمراض قبل أن تزرع الثمار، فيما المواطن يشتري خوفه مع كل لقمة يضعها في فم أطفاله.
الضرائب لا تتوقف.
الهدر لا يتوقف.
الفساد لا يتوقف.
أموال الناس احتجزتها المصارف، وأحلام الشباب حملتها الطائرات إلى بلاد الاغتراب.
بيوت الآباء والأجداد تُعرض للبيع، لا لأن أصحابها يريدون الثراء، بل لأنهم يريدون دفع قسط مدرسة، أو فاتورة مستشفى، أو رسم جامعة، أو ثمن دواء…
وكم من مريضٍ مات على باب المستشفى لأنه لم يملك كلفة الدخول إلى غرفة العلاج.
وكم من أبٍ عاد إلى منزله منكسرًا لأنه لم يستطع شراء الدواء لطفله.
كل هذا… ولا نصرخ؟
كل هذا… ولا نقول بصوتٍ واحد: كفى؟
ألسنا بشرًا؟
أليست للكرامة حدود؟
أليس للصبر نهاية؟
أي شعب في الدنيا لو عاش ما يعيشه اللبنانيون، لملأ الساحات، وارتفعت أصواته، واهتزت الشوارع تحت أقدامه.
أما نحن…
فكأننا دخلنا في سباتٍ طويل.
نتابع نشرات الأخبار، ثم ننتقل إلى مباراة كرة قدم.
نغضب دقائق، ثم نجلس حول أرجيلة، وكأن شيئًا لم يحدث.
نتألم بصمت.
ونختنق بصمت.
ونموت بصمت.
حتى أصبح الصمت أخطر من الأزمة نفسها.
أين النخوة التي عرف بها اللبناني؟
أين الكرامة التي صنعت أمجاد هذا الوطن؟
أين ذلك الشعب الذي كان يرفض الذل، ويواجه المحن بإرادة لا تنكسر؟
هل أصابنا الإحباط إلى هذا الحد؟
أم أننا اعتدنا الوجع حتى لم نعد نشعر به؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعوب ليس الفقر، ولا الغلاء، ولا حتى الفساد…
بل أن تتصالح مع هذه الكوارث، وتعتبرها قدرًا لا يُغيَّر.
يوم يموت الرفض في النفوس، تموت الأوطان قبل أن تموت شعوبها.
لسنا ندعو إلى الفوضى، ولا إلى التخريب، ولا إلى الكراهية.
بل ندعو إلى أن يستعيد المواطن صوته.
أن يقول كلمة حق.
أن يرفض الذل.
أن يطالب بحقه في الحياة، والطبابة، والتعليم، والعمل، والكهرباء، والماء، والدواء، والعدالة.
فالسكوت لم يعد فضيلة…
والصمت لم يعد حكمة…
والتأقلم مع الظلم ليس صبرًا، بل استسلام.
صرخة واحدة صادقة، يطلقها شعب بأكمله، قد تكون بداية الخلاص.
أما أن نستمر في دفن أوجاعنا داخل صدورنا، فهذا يعني أننا نحكم على أولادنا بأن يرثوا وطنًا مثقلًا بالانكسار.
فلنقلها، لا همسًا بل ملء الصوت:
آخ… لقد متنا الوجع في لبنان.
لكن بعد هذه الـ”آخ”، يجب أن تأتي كلمة أخرى…
كفى…







Total views : 7259304