بقلم : نبيل حرب

أما وقد انتهى حفل إصدار وتوقيع كتاب «قضايا الناس»، وهدأت القاعة، وانطفأت أضواء الاحتفال، وغادر الأحبة المكان، وبقيت في القلب صور لا تنطفئ، أشعر أنني لم أكن أمام حفل توقيع كتاب فحسب، بل أمام مشهد لبناني جميل ونادر، كنت أحتاجه أكثر مما كنت أعرف.
تحولت المناسبة إلى تظاهرة ثقافية، بل إلى عرس وطني جامع، التقى فيه اللبنانيون من مختلف الطوائف والمذاهب والمناطق، وكأن «قضايا الناس» لم تكن كتابًا يحمل اسمي بقدر ما كانت مساحة يلتقي فيها الناس على محبتهم للبنان، وعلى إيمانهم بأن الكلمة الصادقة ما زالت قادرة على جمع ما فرّقته السياسة والظروف والأيام.
تلونت القاعة بأبهى صورة وطنية جامعة.
وفي لحظة كهذه، لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عن الحفل من دون أن يتوقف أمام الوجوه والمواقف التي ستبقى محفورة في ذاكرته.
وإن نسيت، فلن أنسى الأب مجدي علاوي.
لن أنسى أنه كان أمام عملية جراحية طارئة، وأنه أجّلها أسبوعًا كي يكون حاضرًا في مناسبة توقيع الكتاب، متحمّلًا المسؤولية عن قراره، فقط لأنه أراد أن يكون إلى جانبي.
ولن أنسى الأب مجدي أيضًا، الذي حمل إليّ درعًا تكريمية من خشب الأرز. وعندما طلبت منه أن يجلس في الصف الأول، ذهب إلى الصف الأخير وقال، ببساطته التي تشبهه:
«أنا هون بين إخوتي… خلّي الصف الأول لغيري.»
أي تواضع هذا؟ وأي محبة تختصرها هذه الجملة؟
ولعلّ الأب مجدي لم يكن وحده من حمل إلى تلك الليلة معنى المحبة التي لا تُقاس بالمسافات ولا بالظروف.
لن أنسى ذلك الرجل ابن الثانية والتسعين عامًا، الذي نزل الدرج، ثم وقف يتأمله صعودًا، وقال لي:
«محبتي قادتني إليك، وهي ستكون معيلي لأصعد الدرج.»انه باستيد منعم
أي كلام يمكن أن يقال أمام محبة كهذه؟
أي كتاب يستطيع أن يكافئ رجلًا في الثانية والتسعين، يتعبه الدرج، لكن لا تتعبه المحبة؟
ولن أنسى تلك المرأة التي جاءت مع أولادها من بعلبك بالتاكسي.
كانت تأتي الى جبيل للمرة الأولى، ولا تعرف المكان، ولا تعرف الطريق، لكنها عرفت طريقًا واحدًا: طريقها إليّ وإلى «قضايا الناس». حضرت، وشاركت مع عائلتها، ثم عادت ليلًا بالتاكسي إلى بعلبك…انها السيدة عايدة العاشق
كيف يمكن لكتاب أن يكافئ محبة كهذه؟
ولن أنسى مديرة مدرسة ليسه عمشيت السيدة لوردس الزغندي عبود، التي ألغت حفلا تربويا لتكون بيننا وبتواضعها اللافت رفضت أن تجلس في الصفوف الأولى…
ولن أنسى أقاربي من جهة والدتي، الذين أتوا من مرجعيون في الجنوب، متحملين مشقة الطريق ومخاطرها، فقط ليكونوا إلى جانبي في هذه الليلة.
ولن أنسى تلك الدكتورة التي جاءت باكرًا من أقاصي عكار، لتقول لي بحضورها قبل كلماتها: أنا إلى جانبك انها د. عايدة الخطيب.وهكذا فعل صديقي وزميلي ابن عكار ايضا الاستاذ نبيل الاحمر…
ولن أنسى صديقي الإعلامي الذي جاء برفقة أصدقاء من الضنية والمنية رغم وفرة ارتباطاته ، ليكونوا جميعًا جزءًا من هذه اللحظة انه الاعلامي عامر الشعار.
في تلك الليلة، لم تكن المسافات موجودة.
من الجنوب إلى الشمال، ومن بعلبك إلى عكار، ومن تنورين إلى جبيل، ومن لبنان إلى أستراليا وكندا، كان هناك شيء واحد يجمع الجميع: المحبة.
وإن نسيت، فلن أنسى الكلمات التي قيلت.
من كلمة الدكتورة أودين سلوم، رفيقة الصبا والشباب، التي تحمل في ذاكرتها سنوات طويلة من العمر والرفقة.
إلى الدكتورة كلوديا أبي نادر، التي جاءت تحمل في قلبها حزنًا على رحيل زوجها، رحمه الله، لكنها أصرّت أن تجعل من حضورها مساحة للفرح بي وبكتابي، وأغدقت عليّ من كلمات الثناء والمحبة ما سيبقى في وجداني طويلًا.
ولن أنسى الدكتور سهيل مطر، ابن بلدة تنورين، وأخي الأكبر الذي أكنّ له كل الاحترام والتقدير، والذي جمعتني به رفقة عمر، فكان حضوره بالنسبة إليّ أكثر من كلمة في احتفال، كان امتدادًا لسنوات من الصداقة والوفاء.
ولن أنسى الدكتورة سلوى الخليل الأمين، ابنة البيت الوطني الكبير، وصاحبة المبادرات والمواقف، التي تعرفني منذ بداياتي، وتعرف مسيرتي جيدًا، فتحدثت من مكان يعرفني حق المعرفة، ومن قلب ينبض بالمحبة.
ولن أنسى صديقي الدكتور عماد يونس فغالي، وكلماته التي حملت إليّ الكثير من المحبة والتقدير. فله مني تحية محبة وامتنان لا تختصرها الكلمات.
ولن أنسى زميلي، بل كبير الزملاء، الأستاذ غسان عازار، الذي لم يكتفِ بالحضور، بل أراد أن يصنع لي مفاجأة خاصة. ذهب وصنع درعًا مشغولة بالنحاس في دوما، وعاد بها ليقدّمها إليّ، إلى جانب ابنتي سينتيا، محمّلة بالحب والعاطفة والتقدير.
هناك أشياء لا تُقاس بقيمتها المادية، لأن قيمتها الحقيقية هي في اليد التي صنعتها والقلب الذي حملها.
ولن أنسى الدكتور إيلي السرغاني، صديق الجامعة والأخ الحبيب، رئيس نادي الشرق لحوار الحضارات، الذي كان في خضم التحضيرات لحفل عشاء السلك الدبلوماسي في اليوم التالي، ومع ذلك رفض أن تسمح له انشغالاته بأن يتخلف عن تكريمي والوقوف إلى جانبي في هذه المناسبة مع أعضاء النادي.
ولم يكتفِ بذلك، بل دعاني في اليوم الثاني إلى حفل العشاء، وكرّمني مجددًا أمام أعضاء السلك الدبلوماسي من مختلف دول العالم.
فبعض الناس لا يحتاجون إلى كثير من الكلام.
يكفي أن تراهم إلى جانبك وقت الحاجة…
ولن أنسى الوزراء وفي طليعتهم وزير الداخلية والبلديات احمد الحجار ممثلا بقائم مقام جبيل ناتالي الخوري التي اغدقت بمحبتها علينا وكانت خير ممثل لمعالي الوزير والنواب الحاليين والسابقين غياث يزبك ونعمة افرام واديب عبد المسيح وبطرس حرب وسامر جورج سعادة والشخصيات الرسمية والبلدية والمخاتير والنقابات والشخصيات الفكرية والسياسية والإعلامية والاغترابية، وكل من حضر ورفض أن يكون في مكان آخر، وأصرّ على أن يكون إلى جانبي في هذه الليلة متحملا عجقة سير امتدت ٣ ساعات من بيروت الى جبيل.
ولن أنسى حضور ومشاركة نسيبي المغترب ميشال داغر وزجته السيدة ليليان القادمة من كندا،والكندية الاصل التي لا تفهم اللغة العربية جيدًا، لكنها فهمت شيئًا أهم من اللغة: أن هذا اليوم يعني لي الكثير، وأن وجودها إلى جانبي يعني لهما أكثر.
لن أنسى زميلة عزيزة على قلبي تركت العرس بثياب السهرة واتت الى الأنطش حملت كتابا طلبت مني ان اوقعه،جلست قليلا ثم قالت : الآن صار بامكاني ان انصرف انها الزميلة لميا شديد
ولن أنسى أقاربي، أنطوني فرج حرب وإخوته، القادمين من أستراليا للسياحة، الذين لا يتحدثون العربية جيدًا، لكنهم كانوا من أوائل الحاضرين، ومن آخر من غادروا.
كأنهم كانوا يقولون لي من دون كلام:
«نحن هنا لأنك أنت هنا.»
لن انسى السفير الاسترالي السيد توم ويلسون وما قاله من كلمات الثناء التي تركت اثرا كبيرا في نفسي
لن انسى ابناء بلدتي تنورين وفي طليعتهم معالي الشيخ بطرس حرب ورئيس بلديتها المحامي ياسر نعمة ومدير ثانويتها الاستاذ حميد شديد وكل فعالياتها وأبنائها الذين شاركوا بكثافة متحملين عناء الانتقال
ولن أنسى كل ما كُتب هنا وفي كل أرجاء العالم قبل المناسبة وبعدها، وكل شخص اتصل بي، وكل من أرسل رسالة، وكل من بارك لي، وكل من قال لي: «إلى الأمام».
قد لا تعرفون ماذا فعلت كلماتكم بي.
قد تكون بالنسبة إليكم مجرد رسالة أو مكالمة أو تهنئة عابرة، لكنها بالنسبة إليّ كانت دفعة إضافية لأكمل الطريق.
ثم هناك أولئك الذين لا تظهر أسماؤهم على المنصة، ولا تلتقط لهم الصور، ولا يسمع الجمهور كلماتهم.
أهلي وعائلتي…
هؤلاء الجنود المجهولون الذين كانوا خلف كل تفصيل، قبل الحفل وخلاله وبعده.
هؤلاء الذين تعبوا، وركضوا، وتابعوا، وساعدوا، وساندوا، وتحملوا قلقي وانشغالي وتوتري، وكانوا إلى جانبي في كل خطوة.
لهم مني كبير التحية، وكبير المحبة، وكبير الامتنان.
وحين أعود الآن بذاكرتي إلى تلك القاعة، لا أتذكر المنصة فقط.
أتذكر العيون.
أتذكر الابتسامات.
أتذكر المصافحات.
أتذكر الاحتضان.
أتذكر أولئك الذين اقتربوا مني ليقولوا كلمة، ثم خانتهم مشاعرهم فاختصروها بنظرة.
أتذكر كيف امتلأت القاعة بمحبتكم وطيبتكم ودفء كلماتكم وتصفيقكم…
أتذكر كيف تحولت القاعة المكتظة بكم إلى مساحة هدوء، كأننا في لحظة خشوع خلال إلقاء الكلمات.
وهنا اكتشفت أن «قضايا الناس» لم يكن كتابًا عن الناس فقط، بل كتابًا أعاد الناس إليّ وأعادني إليهم.
كتبتُ «قضايا الناس» على مدى سنوات طويلة، وكنت دائمًا أؤمن بأن الصحافي الحقيقي ليس من يكتب عن الناس من بعيد، بل من يمشي بينهم، يسمع وجعهم، يحمل صرختهم، ويضع قضاياهم أمام من يستطيع أن يفعل شيئًا.
وفي ليلة توقيع الكتاب، اكتشفت أن هؤلاء الناس لم ينسوا.
لم ينسوا الكلمة.
لم ينسوا الموقف.
لم ينسوا السنوات.
ولذلك أتوا.
أتوا من القرى والمدن والمناطق البعيدة، ومن داخل لبنان وخارجه، ليقولوا لي إن كل تلك السنوات لم تذهب سدى.
ما حصل في جبيل لم يكن توقيع كتاب.
كان شيئًا أكبر.
كان لقاءً بين ذاكرة عمر، ووجوه الحاضر، وأمل المستقبل.
كان تظاهرة ثقافية ووطنية جامعة.
كان صورة للبنان الذي نشتاق إليه.
لبنان الذي لا تسأل فيه عن طائفة الضيف، ولا عن مذهبه، ولا عن منطقته، بل تسأله فقط: ماذا يحمل في قلبه؟
وفي تلك الليلة، كانت القلوب متشابهة.
كلها كانت تحمل المحبة.
ولذلك، إذا سألني أحد اليوم: ماذا بقي لك من حفل «قضايا الناس»؟
لن أقول له عدد الحاضرين.
ولن أقول له أسماء الشخصيات.
ولن أقول له عدد الكتب التي وُقّعت ، والدروع التي تسلمتها
سأقول له:
بقي لي لبنان الجميل.
لبنان الذي رأيته في تلك القاعة.
لبنان الذي ما زال قادرًا على أن يجتمع.
لبنان الذي، مهما أثقلته الأزمات والانقسامات، لا يزال قادرًا على أن يلتقي حول الثقافة والكلمة والإنسان.
لقد أثبتم لي أن الفكر ما زال بخير، وأن الكلمة الصادقة لم تمت، وأن لبنان، مهما حصل، يبقى وطن الحضارة والفكر والحياة.
ولذلك، من القلب أقول لكل من حضر، ولكل من اتصل، ولكل من كتب، ولكل من شجّع، ولكل من قطع مسافة ليكون إلى جانبي:
شكرًا لأنكم جعلتم من حفل كتابي حفل لبنان.
شكرًا لأنكم جعلتم «قضايا الناس» قضيتكم وكنتم أبطالها…
وشكرًا لأنكم ذكّرتموني، في زمن كثرت فيه أسباب اليأس، بأن هناك دائمًا سببًا جديدًا للأمل.
أما أنا، فسأعود غدًا إلى قلمي.
إلى الناس.
إلى قضاياهم.
إلى وجعهم وأحلامهم.
لأنني، بعد كل هذه السنوات، ما زلت مؤمنًا بأن الصحافة ليست مهنة نمارسها فقط…
إنها عهد.
وأن «قضايا الناس» ليست مجرد عنوان كتاب…
إنها حكاية عمر، ابطاهلها انتم ، ووعد بأن تبقى الكلمة التي اكتبها : صوتكم… وسوطكم.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3562515
Total views : 7259304