بقلم نبيل حرب
لم يعد السير على الطرقات اللبنانية مجرد رحلة من مكان إلى آخر، بل أصبح في كثير من الأحيان مغامرة محفوفة بالخطر، يخوضها المواطن كل يوم، ولا يعرف كيف ستكون نهايتها.
سيارة مسرعة، دراجة نارية تتنقل بين السيارات، سائق يتحدث على الهاتف، آخر يقود عكس السير، ثالث لا يلتزم بإشارة المرور، ورابع يجلس خلف المقود وكأن الطريق ملكه وحده…
أما النتيجة، فنقرأها كل يوم في الأخبار: قتيل، جريح، عائلة مفجوعة، وشاب لم يعد إلى منزله.
إنها فوضى السير التي تحولت إلى ظاهرة خطيرة، وكأن القانون أصبح وجهة نظر، والإشارة الحمراء مجرد لون يمكن تجاوزه، والسرعة بطولة، والهاتف رفيق دائم للسائق حتى أثناء القيادة.
ومن هنا، فإن قرار وزارة الداخلية والبلديات، عبر قوى الأمن الداخلي، البدء اعتباراً من اليوم، 7 أيلول 2026، بتشديد ضبط المخالفات المرورية في مختلف المناطق اللبنانية، ليس مجرد إجراء أمني عابر، بل خطوة طال انتظارها.
المطلوب ليس تحرير محاضر مخالفات بهدف جمع الغرامات، ولا إقامة الحواجز لمجرد إقامة الحواجز.
المطلوب إنقاذ الناس.
إنسان يسير على الطريق له الحق أن يصل إلى بيته سالماً. والأب الذي يرسل ابنه إلى الجامعة أو العمل لا يريد أن يبقى قلبه معلقاً حتى يعود. والأم التي تنتظر أبناءها لا يجب أن تعيش كل يوم هاجس اتصال من المستشفى.
لذلك، فإن التشدد في مواجهة القيادة الخطرة، والسير عكس وجهة السير، وعدم احترام إشارات المرور، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وعدم وضع حزام الأمان، والقيادة تحت تأثير الكحول، والوقوف بطريقة تعرض الآخرين للخطر، والزجاج الداكن …وغيرها من المخالفات، هو قبل كل شيء حماية للحياة.
والأهم أن يترافق ذلك مع تكثيف الرادارات لضبط السرعة، والتأكد من قانونية المركبات، ومن الحمولة وعدد الركاب وشروط السلامة، لأن بعض المركبات على طرقاتنا باتت تشكل خطراً متنقلاً على السائقين والمشاة معاً.
فالناس لا تريد حملة موسمية. تريد قانوناً دائماً.
لا نريد أن يخاف السائق من الشرطي فقط عندما يراه في الطريق، بل نريد أن يحترم القانون حتى عندما لا يكون هناك شرطي ولا حاجز ولا رادار.
نريد ثقافة جديدة في القيادة.
نريد أن يعرف كل سائق أن تجاوزه للإشارة الحمراء قد يقتل إنساناً، وأن السرعة الجنونية ليست شطارة، وأن استعمال الهاتف لثوانٍ قد يغير حياة عائلة بأكملها، وأن قيادة السيارة تحت تأثير الكحول ليست حرية شخصية، بل جريمة قد يدفع ثمنها إنسان بريء.
وفي المقابل، نريد أيضاً طرقاً أكثر أماناً، وإشارات واضحة، وإنارة، وصيانة، وتخطيطاً مرورياً، ورقابة على المركبات، وتطبيقاً عادلاً للقانون على الجميع، من دون استثناءات أو واسطات.
فالعدالة المرورية تبدأ عندما يشعر المواطن أن القانون يُطبّق على الجميع.
لقد دفع اللبنانيون ثمناً غالياً من أرواحهم على الطرقات. شباب في مقتبل العمر، آباء وأمهات، أطفال، عائلات بأكملها… رحلوا في لحظة كان يمكن في كثير من الأحيان تفاديها لو احترم أحدهم قاعدة من قواعد السير.
لذلك نقول لقوى الأمن:
اضبطوا الشارع، ونحن معكم.
شدّدوا الرقابة، فعلى الطريق أرواح لا أرقام مخالفات.
أوقفوا المتهور، واردعوا المستهتر، وحاسبوا المخالف، ولا تسمحوا لأحد بأن يعتبر الطريق ملكاً خاصاً له.
لكن في المقابل، نطلب أن تكون الحملة مستمرة، عادلة، وحازمة.
فـقضايا الناس ليست فقط في لقمة العيش والكهرباء والماء والدواء… إنها أيضاً في حق الإنسان بأن يسير على طريق بلده آمناً، وأن يعود إلى منزله حياً.
وفي لبنان الذي أثقلته المآسي، لا نريد أن نضيف إلى قائمة ضحايانا قتلى جدد بسبب مخالفة سير كان يمكن منعها.
الطريق ليست ساحة للموت… والطريق الآمن حق من حقوق الناس.
وربما تكون هذه الحملة بداية لاستعادة شيء فقدناه منذ زمن:
هيبة القانون… واحترام حياة الإنسان.








Total views : 7267251