بقلم نبيل حرب

أعترف أنّني أحبّ الفقراء… أحبّ حياتهم البسيطة، الخالية من مظاهر البهرجة والبذخ والتبذير والتفنّيص.
أحبّ اللقمة عندهم، لأنّها لقمة من عرق الجبين والكفّ النظيف…
أحبّ كرمهم؛ فإن دعوك إلى مائدتهم قدّموا كلّ ما لديهم، لا يعرفون عجرفة حديثي النعمة، ولا مكر أصحاب الملايين، ولا دهاء الذين امتصّوا دماء شعبهم ليبنوا قصور الفساد بالمال الحرام… علماً أنّ قصور حيتان المال بُنيت بيد ودمع وعرق الفقراء.

لقد وُلد المسيح في مغارة… لم يطلب منّا عبادة المال كما هو حاصل عند البعض. وُلد كالفقراء، وهو الذي كان بإمكانه أن يولد في أعظم قصور العالم، ليعلّمنا معنى التقوى والتواضع، وعدم التكالب في الحياة. وقد قال: «أعطِنا خبزنا كفاف يومنا»، وقال أيضًا: «لا تعبدوا ربَّين». وأكّد أنّه إذا كان بإمكان الجمل أن يدخل من خرم الإبرة، فبإمكان الغني أن يدخل ملكوت السماوات.
فمالُ الأغنياء، في معظمه، من عرق ودم وجهد الفقراء، ومعظمهم — للأسف — يصرفونه على نزواتهم بدل عمل الخير والمعروف.

أحبّ حياة الفقراء البسيطة، البريئة… أحبّ موقدة البركة، أحبّ خبز الصاج، و”الطلمة” بالسكر والمنقوشة  لأنّها الأرخص عندهم لكنها الأطيب.
أحبّ تحلّقهم حول المدفأة، وأحاديثهم البريئة، ومحبتهم لبعضهم، وتقاسمهم السرير واللحاف الواحد، وتضامنهم في جبه صعاب الحياة، وتفانيهم في سبيل بعضهم البعض، وكرمهم في استقبال الضيف.
أحبّ ألعاب أطفالهم البسيطة والمجانية، البعيدة عن وسائل التواصل وعن عقد هذا العصر، وأحبّ إيمانهم المطلق بالله.

إنّ معظم الاختراعات في العالم صنعها الفقراء: الطائرات، والسيارات، والمراكب… كلّها صُنعت بيد الفقراء ليتنعّم بها الأغنياء.
معظم العباقرة، والفنانين، والأدباء، والشعراء، كانوا أكثر فقراً من الفقراء أنفسهم. وحتى الجنود الذين يستشهدون في المعارك دفاعاً عن أوطانهم وكراماتهم… هم أيضًا من الفقراء.
وأولاد الفقراء يصعدون سُلّم العلم بتفوق لأنهم يتّكلون على أنفسهم، لا على شفاعة وواسطة فلان وفلان.

لهؤلاء الفقراء الذين تحوّلوا في بلدنا إلى معدمين بفضل وحوش المال الفاسدين…
لعمّال بلادي، للمزارعين، لأصحاب الحرف البسيطة، للعاطلين عن العمل، للمتقاعدين برواتب زهيدة، لأصحاب المهن الحرة الذين يعملون كلّ يوم بيومه، لكلّ البائسين والمنسيّين والمرضى… ألف تحية محبّة وإكبار.

فالمسيح وُلد في مغارة ليخلّصكم ويخلّصنا ويكون العبرة والمثال، ونار جهنّم ستكون بانتظار من سرق مدّخراتكم البسيطة، وجنى أعماركم، واللقمة من أفواهكم، والأمل من مخيلتكم، والحياة الكريمة من أمامكم.

لكم… ولكم فقط… أقول: ميلاد مجيد، وكلّ عام وأنتم بخير.
أنتم وحدكم تستحقّون العيد، وأن يكون شفيعكم وإلهكم المسيح المخلّص، لأنّكم على صورته ومثاله.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,325