بقلم : نبيل حرب
في بلادٍ يفترض أن تبدأ فيها الحياة بضحكة طفل، يولد كثير من أطفال لبنان وهم يحملون على أكتافهم ما لا يحتمله الرجال… يفتح الطفل عينيه على أصوات الأزمات، ويكبر على وقع أخبار الحروب، ويكتشف باكراً أن الحياة هنا لا تمنح الجميع طفولة متساوية…
في الصباح، بينما يحمل أطفال العالم حقائبهم المدرسية، يحمل كثير من أطفال لبنان صناديق المياه، أو أكياس العلكة، أو أدوات العمل الثقيلة. تراهم على الإشارات الضوئية يركضون بين السيارات، لا لأنهم يحبون التسول، ولا لأنهم اختاروا هذا الطريق، بل لأن الجوع أقوى من العمر، والفقر أقسى من الأحلام…
كم هو موجع أن ترى طفلاً لم يكتمل نمو أصابعه بعد، يرفع دولاب سيارة أكبر من جسده، أو يعمل في كاراج ميكانيك، أو يقف ساعات طويلة في مصنعٍ تحت الأرض، فيما يفترض أن يكون في صف مدرسي يتعلم الحروف الأولى، ويرسم على دفاتره أحلامه الصغيرة…
إنهم أطفال كبروا قبل أوانهم…
أطفال يعرفون أسعار الخبز قبل أن يحفظوا جداول الضرب…
يعرفون معنى الإيجار والدواء والدين والفقر… قبل أن يعرفوا معنى الرحلات المدرسية والألعاب والأعياد.
والمؤلم أكثر، أن كثيراً من هؤلاء الأطفال لا يعملون لأنهم يريدون المال لأنفسهم، بل لأن في البيت أماً مريضة، أو أباً عاجزاً، أو إخوة صغاراً ينتظرون ربطة خبز أو حليباً،
أو دواء…
ما أقسى أن يصبح الطفل معيل عائلة…
وما أقسى أن تصبح الطفولة رفاهية…
في لبنان، يمكنك أن ترى الحزن في عيون الأطفال قبل أن تسمع كلماتهم. ترى التعب على وجوههم، والانكسار في نظراتهم، وكأن الزمن سرق منهم سنوات كاملة… بعضهم يتحدث بصوت طفل، لكنه يفكر بعقل رجل أنهكته الحياة…
ثم يأتي العالم ليحتفل بيوم الطفل.
أي طفل؟وأي طفولة؟
هل الطفولة هي أن يقضي الطفل نهاره تحت الشمس الحارقة يبيع قناني المياه؟ أم أن يمضي ساعات طويلة في ورشة صناعية؟ أم أن يمد يده على الطرقات طلباً لمنقوشة أو رغيف؟
الطفولة ليست عمراً فقط،
الطفولة حق،حق في المدرسة ،حق في اللعب ،حق في الحلم،حق في أن ينام الطفل دون أن يفكر كيف سيؤمن طعام الغد.
المأساة الحقيقية ليست فقط في فقر هؤلاء الأطفال، بل في اعتياد المجتمع على المشهد. أصبحنا نمر بجانب طفل يعمل وكأن الأمر طبيعي، نراه يركض بين السيارات فنخفض زجاج النافذة أو نرفعه، ثم نكمل طريقنا.
لكن خلف كل طفل يعمل، توجد قصة موجعة.
وخلف كل وجه صغير متعب، توجد عائلة تنهار بصمت.
أطفال لبنان ليسوا أرقاماً في تقارير، ولا صوراً عابرة على الشاشات.
إنهم جيل كامل يُسرق منه أجمل ما في الحياة.
جيل كان يفترض أن يحمل دفاتره… فحمل أوجاع وطنه
وكان يفترض أن يحفظ الأغاني… فحفظ أسعار الخبز.
وكان يفترض أن يتعلم كيف يحلم… فتعلم كيف يشقى.
إنهم أطفال بعمر الورد… لكن الريح كانت أقسى من أن تترك الورد يتفتح…






Total views : 7243275