بقلم :نبيل حرب
رئيس التحرير

منذ عشر سنوات، والعسكريون المتقاعدون يقفون على أبواب الدولة كما وقفوا يومًا على حدود الوطن…
لكن الفرق قاسٍ…
ذاك اليوم كانوا يحملون السلاح دفاعًا عن الأرض،
واليوم يحملون وجعهم دفاعًا عن كرامتهم…
نزلوا الى الشارع ملبين دعوة رابطة قدامى القوى المسلحة”او قدامى العسكريين المتقاعدين” او المحاربين القدامى برئاسة العميد شامل روكز كما يحلو له ان يسميها…
نزلوا إلى الشارع لا لأنهم أحبّوا الضجيج، بل لأن الصمت لم يعد يُطعم جائعًا، ولا يكسو عريانًا، ولا يؤمّن دواءً لمريض…
نزلوا لأن الوعود التي عاشوا عليها عقدًا كاملًا، تآكلت كما تآكلت رواتبهم، وكما تآكلت الليرة، وكما تآكل ما تبقّى لهم من مدخرات سلمت من النهب.
منذ انهيار الليرة اللبنانية عام 2019، لم تعد رواتب العسكريين المتقاعدين تُقاس بالأرقام، بل بالمهانة.
أصبحت معاشاتهم تعادل غرامين من الذهب… لا بميزان الكرامة، بل بميزان الانهيار.
غرامين لا تختصران سنوات السهر على الحواجز، ولا الليالي الباردة، ولا الرصاص، ولا الدم، ولا الأعمار التي أُنفقت كي يبقى هذا البلد قائمًا.
العسكري المتقاعد اليوم يشبه الدكتور الجامعي، والأستاذ الثانوي، وموظف القطاع العام والادارة العامة وباقي الموظفين في القطاعين العام والخاص…
كلهم تعلّموا وتعبوا وخدموا وبنوا ثم قيل لهم بصمت قاتل:هاجروا… أو موتوا ببطء.ففي لبنان، يتعلّم الإنسان على امل ان يخدم وطنه،ثم يكتشف أن وطنه يدفعه إلى أقاصي الدنيا بحثًا عن حياة كريمة والا الموت جوعا وحزنا وقهرا…
ومن لم يهاجر، يعيش على 300 دولار، لا تكفي أسبوعًا في بلد انفجرت فيه الأسعار، وارتفعت فيه كلفة الدواء، وتوحّشت فيه الضرائب والرسوم.
ضرائب على كل شيء…
حتى على إخراج القيد، حتى على الورقة التي تثبت أنك ما زلت حيًّا.
لكن السؤال البسيط والمؤلم الذي لا يجيب عنه أحد:
من أين يأتي الموظف بالمال
بعدما سُرقت ودائعه في المصارف؟
وبعدما أُقفلت أمامه كل أبواب الأمل؟
هل هذه مكافأة من خدم الدولة لعقود؟
أن يرى أولاده يكبرون وهو عاجز عن تأمين خبزهم؟
أن يختار بين الدواء والغذاء؟
أن يبيع سيارته، ثم ذهب زوجته، ثم أثاث بيته، ثم بيته نفسه، ليسكن بالإيجار…ثم يعجز حتى عن دفع الإيجار؟
هذا ليس فقرًا عابرًا.
هذا ظلم منظّم.
أبشع أنواع التسلّط التي عرفها تاريخ هذا البلد.
الناس لم تعد قادرة على أكل الخبز، ولو بحدّ الكفاف.
معظم اللبنانيين يعيشون على الديون،
يستدينون ليعيشوا،
ويبيعون ما لديهم ليؤجّلوا الموت يومًا آخر.
أما العسكري المتقاعد،
فهو لا يطلب صدقةولا منّة،ولا شفقة…يطلب حقًا.
حقًا دفع ثمنه عمرًا وعرقًا وخوفًا وتضحية…
حين ينزل العسكري المتقاعد إلى الشارع،
فهذا إعلان خطير:
أن الكرامة جاعت،
وأن الصبر انتهى،
وأن الوطن بات مدينًا لأبنائه بالكثير…
الواقع لم يعد يُطاق عند الجميع في حد ادنى للأجور اصبح معه العيش بالحد الأدنى من الكرامة لم يعد ممكنًا…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,753