بقلم : نبيل حرب
رئيس التحرير

في الصورة رجلٌ ينحني فوق حاوية نفايات اخفيت وجهه عمدا كي لا اجرح كرامته مع انني توقفت وحدثته واخذت صورا واضحة له…
انه لا يبحث عن كنزٍ ضائع ولا عن ورقةٍ رسمية سقطت سهواً…
يفتش عن كسرة خبز… عن علبة طعام منسية… عن شيءٍ يسدّ به جوعه…
وفي الخلفية حقول خضراء، وأشجار عارية، وسماء رمادية تشبه حال البلد…
المشهد بسيط، لكنه يختصر مأساة وطن.
بينما ينحني هذا الرجل على حافة القمامة، هناك من ينحني فوق أوراق الموازنات ليضيف سطراً جديداً من الضرائب، ضريبة على البنزين،لكنهم يعرفون – ونعرف – أن البنزين لا يرتفع وحده.
يرتفع معه سعر الخضار والفاكهة.
يرتفع معه ثمن اللحوم والأجبان.
يزداد معه كلفة النقل والمواصلات.
ويمتد أثره حتى الدواء.
حين ترتفع صفيحة البنزين، ترتفع معها الحياة كلها… إلا الحد الأدنى للأجور.
أقل من ثلاثمئة دولار، راتبٌ لا يشتري فردة حذاء …
راتبٌ لا يكفي بدلات إيجار.
راتبٌ لا يضيء بيتاً ساعةً واحدةً في بلدٍ يعيش بعض أهله في العتمة، يدرّسون أولادهم على ضوء الشموع، ويحسبون فواتير الكهرباء كما تُحسب الديون الثقيلة.
أرادوا أن يُصوِّموا الناس بالقوة عن الطعام.
لكن الصوم عبادة، لا سياسة جباية تفرض فرضا
في هذا البلد الناس امتنعت عن أكل اللحوم لأنها أصبحت للأثرياء وحدهم.
فيه من يسكن أبنيةً مهدّمة، يعرف أنها قد تنهار فوق رأسه، لكنه لا يملك خياراً آخر.
فيه من ينام تحت الجسور لأن الإيجار صار حلماً.
فيه من يهرب عبر البحر، يراهن على الموج والغرق لأنه أرحم من واقعٍ بلا كرامة.
انظروا إلى الأطفال الذين يعملون في المعامل تحت الأرض كي يعيلوا عائلاتهم وكي لا يرى بؤسهم من هم فوق الارض…
انظروا إلى طلاب الجامعات الذين يعملون ساعات طويلة في المطاعم ليدفعوا أقساطاً ترتفع بلا ضابط.
انظروا إلى المدارس التي تضع الأرقام عشوائياً، وكأنها تخاطب جيوباً ممتلئة لا بيوتاً مثقلة بالديون.
كان بإمكانكم أن تختاروا طريقاً آخر.
كان بإمكانكم فرض ضرائب تطال الكماليات لا الأساسيات.
على استيراد الذهب، على المشاريع البحرية والنهرية، على الأملاك العامة المنسية التي تُستثمر بأثمانٍ شبه مجانية.
على السيجار والكماليات، لا على رغيف الفقير.
كان بإمكانكم وقف الهدر والفساد في الإدارات، وتحسين إدارة الأملاك العامة بدل التفريط بها.
كان بإمكانكم رفع الرسوم الجمركية على ما لا يمسّ قوت الناس.
لكن الأسهل كان دائماً… جيب الفقير.
تظنون أن الفقراء لا صوت لهم؟
أن من يفتش في القمامة لا يملك بطاقة اقتراع؟
أن من يعيش في العتمة لا يرى؟
هذا الرجل في الصورة، المنحني فوق الحاوية، سيقف يوماً في طابورٍ آخر.
طابور صناديق الاقتراع.
هناك لن يبحث عن كسرة خبز.
بل عن كرامة.
الناس ستحاسب.
في صناديق الاقتراع، لا في حاويات النفايات.
ومن يدّعي أن أجره “بالبور” وأجر بالفلاحة التي هي أقرب إليه من هموم الناس، سيكتشف أن أقرب المسافات هذه المرة ستكون بين ورقةٍ يضعها مواطنٌ مسحوق في الصندوق… ونتيجةٍ لا تشبه ما اعتادوا عليه والناس ترى وستحاسب هذه المرة .
بين القمامة وصناديق الاقتراع مسافة كرامة.
والشعوب مهما انحنت، تعرف كيف تقف من جديد.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,043,261