


بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير
في تاريخ لبنان، لم يكن الاغتراب يومًا مجرّد خيار فردي، بل كان ظاهرة وطنية صنعت وجهًا آخر لهذا البلد الصغير بحجمه، الكبير بانتشاره. فمنذ أكثر من قرن، حمل اللبناني حقائبه، ومضى إلى أصقاع الأرض، لا هاربًا من وطنه، بل باحثًا عن فرصةٍ تليق بطموحه. وهكذا، تحوّل الانتشار اللبناني إلى قوة ناعمة حقيقية، وإلى ثروةٍ بشرية واقتصادية وثقافية، جعلت من لبنان وطنًا مقيمًا في العالم، لا محصورًا ضمن حدوده الجغرافية.
هذا الانتشار لم يكن يومًا انقطاعًا، بل امتدادًا. فالمغترب اللبناني، أينما حلّ، حمل معه لغته، ثقافته، قضاياه، وحنينه. بنى، ونجح، وتألق… لكنه بقي مشدودًا إلى جذوره الأولى. ومن بين هذه النماذج التي تختصر معنى الاغتراب الناجح، تبرز سيرة السيد عاطف عيد، المغترب اللبناني في الولايات المتحدة الأميركية، والرئيس السابق للجامعة الثقافية في العالم، الذي حمل لبنان في قلبه، لا في حقيبته فقط.
لم يكن الرحيل خيارًا سهلًا. فابن العشرين عامًا، الذي نشأ في لبنان، وجد نفسه أمام واقعٍ قاسٍ فرضته الظروف الأمنية والاجتماعية والسياسية في سبعينيات القرن الماضي. يقول: “من الصعب على الإنسان أن يغادر وطنه ومسقط رأسه، لكن الظروف تجبره أحيانًا…”.
كان الإحباط، والفقر، وقلة فرص العمل، إضافة إلى الاضطرابات التي عاشها لبنان في تلك المرحلة، عوامل دفعت به إلى اتخاذ القرار الأصعب: السفر. لم يحمل معه سوى الأمل… و33 دولارًا فقط في جيبه.
وصل عاطف عيد إلى الولايات المتحدة، بلدٍ لم يكن يعرف لغته، ولا عاداته، ولا طرق النجاح فيه. البداية كانت قاسية: “تعذّبنا شوي… وفي شوية عذاب بالسفر والغربة”.
لكن ما ميّزه لم يكن الظروف، بل طريقة مواجهته لها.
بإيمانٍ عميق، وإصرارٍ لا يتزعزع، بدأ من الصفر. عمل في التجارة البسيطة، في محلات صغيرة في مانهاتن، مع أشخاص تعرّف إليهم. شيئًا فشيئًا، فتح أبوابًا جديدة، حتى بات يملك 10 إلى 12 محلًا تجاريًا.
لم يكن النجاح فرديًا. فقد تحوّلت محلاته إلى ملجأٍ للطلاب اللبنانيين القادمين إلى أميركا، حيث كان يستضيفهم ويشغّلهم ليساعدهم على دفع أقساطهم ومتابعة تعليمهم. هكذا، لم يكن النجاح عنده إنجازًا شخصيًا، بل مسؤولية تجاه أبناء وطنه.
لم يتوقف طموحه عند حدود التجارة. انتقل إلى قطاع العقارات، حيث رأى فيه استقرارًا وإنتاجية أكبر. توسّعت أعماله لتشمل ولايات عدة: نيويورك، نيوجيرسي، بنسلفانيا، وكاليفورنيا وغيرها.
أسّس شركات، وامتلك مشاريع، لكن الأهم أنه زرع جذورًا… لا تقلّ عمقًا عن جذوره الأولى في لبنان. فقد أنشأ مزرعةً ضخمةً تزيد مساحتها عن مليون ومئتي ألف متر مربع، تضمّ الأبقار الحلوب والحيوانات، وأخرى زراعية تنتج التفاح والخضار والفاكهة…
وفي مشهدٍ يختصر الحنين، زرع 1200 شجرة أرز لبناني في أرض الغربة في تلك المزرعة، وكأنه يعيد رسم الوطن حيثما حلّ.
بعد أكثر من 57 عامًا في الاغتراب، لم يتغير شيء في علاقته بلبنان. يقول بوضوح: “نحن لم نتخلّ عن الوطن… الحنين موجود، والذاكرة مليئة به”.
بالنسبة له، لبنان ليس مجرد ذكرى، بل مسؤولية. لذلك، عمل على ربط الأجيال الجديدة بوطنها، عبر دعم تعليم اللغة العربية في فرنسا وفي الولايات المتحدة، عبر فتح مدارس تُبقي هذا الرابط حيًا.
فهو يرى أن اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل جسر انتماء: “حتى لا يشعر المغترب أنه غريب عندما يعود إلى وطنه”.
ومن خلال موقعه كرئيس سابق للجامعة الثقافية في العالم، لعب عاطف عيد دورًا أساسيًا في جمع المغتربين اللبنانيين وتوحيدهم.
يرى أن اللبنانيين المنتشرين في العالم هم امتدادٌ حيّ للوطن، وأن نجاحهم هو نجاح للبنان نفسه.
يقول: “عندما ينجح أي لبناني في الخارج، نشعر وكأننا نحن نجحنا”.
حين يُسأل عن موجة الهجرة الحالية، لا يتحدث كمراقب، بل كمن عاش التجربة نفسها. يرى في الشباب اللبناني اليوم صورةً عن ماضيه، ويشعر بوجعهم.
لكن في الوقت نفسه، يحذّر من خطورة تفريغ لبنان من طاقاته:
“إذا رحل الجميع… من يبقى؟ لا يجوز أن نخسر الجذور”.
ويدعو الدولة اللبنانية إلى تسهيل الاستثمار، ومحاربة الفساد، وتأمين بيئة حاضنة تعيد ثقة المغترب بوطنه ليأتي المغترب ويستثمر في وطنه.
عاطف عيد لم يختر بين لبنان وأميركا. بل صنع معادلة خاصة:
وطنٌ يعيش في قلبه… ووطنٌ يعيش فيه.
في أميركا، بنى نفسه، ونجح، وأسس.
وفي لبنان، بقي الحلم، والانتماء، والهوية.
قصة عاطف عيد نرويها لانها ليست مجرد سيرة نجاح فردية، بل هي مرآةٌ لظاهرة لبنانية أوسع: ظاهرة الاغتراب الذي تحوّل من ألمٍ إلى قوة، ومن غيابٍ إلى حضور عالمي. فاللبناني المنتشر في العالم لم يكن يومًا خسارة لوطنه، بل كان، في كثير من الأحيان، رئته التي يتنفس منها حين تضيق به الظروف.
إن ما حققه عاطف عيد، من انطلاقة متواضعة بـ33 دولارًا إلى نجاحات متعددة في التجارة والعقارات والزراعة، ليس سوى دليل على أن الإنسان اللبناني، حين يُمنح الفرصة، قادر على أن يبدع ويترك بصمته أينما كان. لكن الأهم، أنه نموذج للمغترب الذي لم يذُب في الخارج، بل حافظ على هويته، وربط نجاحه بخدمة وطنه وأبنائه.
وفي زمنٍ تتسارع فيه الهجرة، وتكبر فيه مخاوف فقدان الأجيال، تبقى الحاجة ملحّة إلى تحويل هذا الانتشار إلى مشروع وطني متكامل، يُعيد وصل ما انقطع، ويجعل من كل مغترب سفيرًا حقيقيًا للبنان.
هكذا، لا تكون الغربة نهاية الحكاية… بل بدايتها.
ولا يكون الرحيل خسارة… بل طريقًا آخر للعودة.







Total views : 7243310