كتبت جنى عون
لم يعد الوصول إلى الاستقلال في لبنان خطوة طبيعية تأتي مع التخرّج أو الحصول على وظيفة، بل تحوّل إلى حلم مؤجّل بالنسبة إلى آلاف الشباب. فبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تغيّرت أولويات جيل كامل، وباتت فكرة الزواج أو تأسيس عائلة مرتبطة مباشرة بالحسابات المالية أكثر من أي وقت مضى.
في بلدٍ كان يُعرف بالحياة الاجتماعية النشطة والعلاقات العائلية القوية، أصبح كثير من الشباب يعيشون مرحلة انتظار طويلة: انتظار فرصة عمل مستقرة، أو راتب يكفي، أو حتى أمل بسيط يسمح لهم بالتفكير بالمستقبل .
قبل سنوات، كان من الطبيعي أن يبدأ الشاب اللبناني حياته المستقلة في عمرٍ مبكر نسبيًا، سواء عبر الزواج أو استئجار منزل خاص. أما اليوم، فأصبح البقاء في منزل العائلة خيارًا إجباريًا أكثر منه قرارًا شخصيًا.
الإيجارات ارتفعت بشكل كبير، وأسعار الأثاث والكهرباء والإنترنت والمحروقات جعلت فكرة الانتقال إلى منزل مستقل عبئًا ماليًا يصعب تحمّله. حتى الشباب الذين يتقاضون رواتب بالدولار جزئيًا، يجدون أنفسهم عاجزين عن تغطية المصاريف الأساسية على المدى الطويل.
كثيرون عادوا أيضًا إلى منازل أهلهم بعد تجربة سفر أو عمل لم تستمر، فيما اختار آخرون تأجيل أي خطوة مصيرية إلى أجل غير معروف .
تغيّرت نظرة الشباب اللبناني إلى الزواج بشكل واضح. فبعدما كان يُنظر إليه كبداية طبيعية للحياة، أصبح بالنسبة إلى البعض مشروعًا يحتاج إلى “رأس مال”.
تكلفة حفلات الزفاف، المنازل، وتأسيس العائلة ارتفعت بشكل هائل، ما دفع كثيرين إلى تأجيل الارتباط، السفر ،الاستغناء عن الأعراس التقليدية الضخمة.
حتى مفهوم “الاستقرار” نفسه تغيّر، إذ بات بعض الشباب يعتبر أن تأمين دخل ثابت أهم من أي خطوة اجتماعية أخرى.
الأزمة لم تؤثر فقط على الاقتصاد، بل انعكست أيضًا على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية.
فالكثير من الشباب يعيشون شعورًا دائمًا بعدم الاستقرار والخوف من المستقبل، ما يخلق شعورًا بالفشل أو التأخر مقارنة بالأجيال السابقة ، قلقًا من فكرة الإنجاب والمسؤوليات ، ضغطًا اجتماعيًا بسبب الأسئلة المتكررة حول الزواج والعمل.
ويؤكد اختصاصيون نفسيون أن حالة “تعليق الحياة” التي يعيشها الشباب في لبنان تؤدي إلى الإرهاق النفسي وفقدان الحافز على التخطيط البعيد المدى .
كثير من الأهل ما زالوا يقارنون بين حاضر الشباب وتجربتهم الخاصة قبل عقود، حين كانت فرص العمل أكثر استقرارًا وتكاليف الحياة أقل قسوة.
لكن الواقع الحالي مختلف تمامًا، الرواتب فقدت قيمتها،فرص العمل تراجعت ، الهجرة أصبحت هدفًا أساسيًا حتى أصحاب الشهادات الجامعية يعانون لتأمين أساسيات الحياة.
هذا التفاوت خلق فجوة في طريقة التفكير بين الأجيال، وأصبح الشباب يشعرون أحيانًا بأن المجتمع يطالبهم بتحقيق أمور لم تعد واقعية .
الهجرة… الحل الوحيد؟
بالنسبة إلى عدد كبير من اللبنانيين، لم تعد الهجرة مجرد خيار لتحسين الوضع المعيشي، بل أصبحت “خطة حياة”.
كثير من الشباب يربطون الزواج أو الاستقرار بالسفر أولًا، ومع ازدياد هذا الواقع، يخسر لبنان تدريجيًا جزءًا كبيرًا من طاقاته الشابة .
هل تغيّر الحلم اللبناني؟
ربما أخطر ما في الأزمة ليس فقط ارتفاع الأسعار، بل تغيّر طموحات الناس. فجيل كامل انتقل من التفكير ببناء المستقبل إلى محاولة تأمين الحد الأدنى من الاستقرار.
أحلام مثل شراء منزل، تأسيس عائلة، أو بدء مشروع خاص أصبحت بالنسبة إلى كثيرين مؤجلة إلى إشعار آخر.
ومع ذلك، لا يزال بعض الشباب يحاولون التكيّف بطرق مختلفة.
لكن السؤال يبقى: هل هذه حلول مؤقتة، أم أن المجتمع اللبناني دخل فعلًا مرحلة اجتماعية جديدة ستغيّر شكل الحياة لسنوات طويلة؟
الأزمة الاقتصادية في لبنان لم تغيّر فقط قيمة العملة، بل غيّرت شكل الحياة نفسها. فالشباب الذين كانوا يخططون لبناء مستقبل واضح، وجدوا أنفسهم يعيشون حالة من التأجيل المستمر.
وبين الرغبة في البقاء والخوف من المستقبل، يقف جيل كامل أمام تحدّي بناء حياة طبيعية في بلد لم يعد يشبه ما كان عليه قبل سنوات قليلة .







Total views : 7243331