بقلم نبيل حرب
شخصيات لبنانية في استراليا

ليس الدكتور جميل الدويهي مجرد شاعر أو روائي أو أستاذ جامعي، بل هو واحد من أبرز الوجوه الثقافية اللبنانية في بلاد الاغتراب، استطاع أن يحوّل سنوات الهجرة إلى مشروع أدبي وثقافي متكامل، جمع بين الإبداع، والتعليم، وخدمة الأدب العربي.
وُلد الدكتور جميل الدويهي في زغرتا عام 1960، ونشأ في بلدة شكا الساحلية، حيث كان والده يعمل في مصنع الإسمنت. هناك بدأ تكوينه العلمي، فالتحق بمدرسة شكا الجديدة الرسمية، وأظهر منذ طفولته تفوقاً لافتاً، ولا سيما في اللغة العربية. وكانت مواضيعه الإنشائية تُعلَّق في صندوق زجاجي داخل المدرسة ليقرأها التلامذة والمعلمون والزوار، في إشارة مبكرة إلى موهبته الأدبية. ولم يكن قد تجاوز التاسعة من عمره عندما وقف خطيباً في المناسبات الوطنية والأعياد، يكتب بنفسه أجزاءً من الخطب التي كان يلقيها.
واصل تفوقه في المرحلة الثانوية في ثانوية شكا، وفي عام 1978 التحق بالجامعة اللبنانية في طرابلس لدراسة اللغة العربية، حيث نال الإجازة ثم الماجستير، وقدم رسالته بعنوان «الأسطورة في النثر اللبناني عند صلاح لبكي وميشال سليمان».
وخلال سنوات الدراسة الجامعية تزوج من زميلته مريم رعيدي، التي جمعت بين عائلتها وعائلته علاقة جوار وصداقة منذ الطفولة. وفي مطلع الثمانينيات بدأ مسيرته التربوية، فدرّس في معهد السانت تيريز في أميون خلال عامي 1983 و1984، ثم انتقل إلى معهد مار يوسف للآباء الكبوشيين في البترون، حيث احتضن المعهدان أمسياته الشعرية، كما مُنح عضوية الشرف في رابطة البترون الإنمائية والثقافية.
عام 1988 شكّل محطة مفصلية في حياته، إذ هاجر مع زوجته وابنتهما ربى إلى أستراليا. وكانت البدايات صعبة، إلا أن تلك الظروف لم تمنعه من مواصلة عطائه الأدبي. ففي سيدني أصدر أول دواوينه الشعرية «عودة الطائر الأزرق»، ثم توالت دواوينه، إلى جانب مجموعتيه القصصيتين «أهل الظلام» و**«من أجل الوردة»**، فيما كانت أمسياته الأدبية تستقطب مئات الحضور من أبناء الجالية ومحبي الأدب العربي.
وإلى جانب عطائه الأدبي، شغل مواقع إعلامية بارزة، فتولى رئاسة تحرير جريدة «صوت المغترب»، وعمل مديراً للبرامج في إذاعة 2000 FM العربية، ثم في التلفزيون العربي على القنال 31.
وفي عام 1996 انتقل إلى مدينة بوسطن الأميركية، حيث كتب روايته الأولى «الذئب والبحيرة»، وأنجز مسرحيته الشعرية المخطوطة «الأرض البعيدة». وبعد عام عاد إلى لبنان، وعمل لمدة ستة أشهر في جريدة الديار، قبل أن يعود إلى أستراليا لتسلّم شهادة الدكتوراه عن أطروحته «محمد الشرفي ومسرحه الاجتماعي والسياسي».
وبعد نيله الدكتوراه عاد إلى ميدان التعليم، فدرّس في معهد مار شربل في سيدني حتى عام 2004، ثم عادت الأسرة إلى لبنان، حيث انضم إلى جامعة سيدة اللويزة أستاذاً ومنسقاً لقسم اللغة العربية، وعضواً في عدد من اللجان الأكاديمية، كما درّس عاماً واحداً في معهد الليسيه – عمشيت.
وخلال عمله في الجامعة نشط في الحياة الثقافية، وأقام العديد من الأمسيات الأدبية، كما تحولت قصيدته «وقلت: أحبك» إلى مسرحية شعرية قُدمت في احتفال عيد تأسيس الجامعة، ونال الطلاب الذين أدّوها جائزة سعيد عقل. كذلك كتب قصيدة في مئوية الشاعر الكبير سعيد عقل، نُشرت في كتاب «معرفتي بسعيد عقل»، ثم عاد بعد وفاة سعيد عقل عام 2014 فرثاه بقصيدة استهلها بالقول:
تداعت عروش الفكر وانهار معبدُ
وطار جناحٌ في العناوين أسودُ.
وقد نُشرت هذه القصيدة أيضاً في الكتاب نفسه.
وخلال إقامته في لبنان، أصدرت دار أبعاد روايته «طائر الهامة»، وأعادت نشر مجموعتيه القصصيتين «أهل الظلام» و**«من أجل الوردة»، كما نشرت له ثماني قصص للأطفال في سبعة كتب، إلى جانب كتابين جامعيين هما «التذوق الأدبي» و«الفكر الإنساني والأدب»**، ولا يزال الأخير يُدرَّس في جامعة سيدة اللويزة حتى اليوم.
وفي عام 2014 عاد إلى أستراليا، وأطلق مشروعه الثقافي الرائد «أفكار اغترابية للأدب الراقي»، الذي جاء رداً على تراجع الاهتمام بالأدب العربي الفصيح في بلاد الاغتراب، وسعياً إلى إطلاق نهضة أدبية جديدة. ومن خلال هذا المشروع نظم مهرجانات أدبية ضخمة في سيدني وملبورن، يحضرها المئات من محبي الأدب، ويوزع خلالها كتبه مجاناً، كما يكرّم في كل مهرجان نخبة من الأدباء والأكاديميين من مختلف أنحاء العالم، وأسهم في تشجيع العديد من الكتّاب على نشر مؤلفاتهم.
وقد تجاوز إنتاج الدكتور جميل الدويهي حدود التأليف إلى أن أصبح مادة للدراسة الأكاديمية، إذ كُتبت عن أدبه وفكره عشرات الدراسات، من بينها رسالة ماجستير أعدتها الباحثة نداء عثمان في جامعة الجنان بلبنان.
واليوم يواصل الدكتور جميل الدويهي رسالته الثقافية من أستراليا، حيث يشغل منصب مدير تحرير جريدة «المستقبل الأسترالية»، فيما يضم رصيده الأدبي والفكري 79 كتاباً من تأليفه، و44 كتاباً ودراسة تناولت أدبه وفكره، في مسيرة تؤكد حضوره واحداً من أبرز الأدباء اللبنانيين في الاغتراب، وصاحب مشروع ثقافي يسعى إلى ترسيخ الأدب العربي الراقي وإبراز دوره في بناء الإنسان والمجتمع.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3559626
Total views : 7253440