بقلم نبيل حرب
يُحكى أن بهلوانًا جوالًا وصل إلى قرية نائية، فأقام خيمته في الساحة العامة، وراح كل مساء يرسم الابتسامة على وجوه الناس. كان الأطفال يضحكون حتى تدمع عيونهم، والكبار ينسون ولو لساعات، هموم الحياة وثقل الأيام…
ومع مرور الوقت، لاحظ طبيب القرية أن عيادته لم تعد كما كانت. قلّ عدد المراجعين، وخفت شكاوى الناس من الأرق والضيق والصداع، حتى كاد يظن أن الأمراض هجرت القرية.
وذات صباح، دخل رجل يشكو صداعًا لا يفارقه. فحصه الطبيب، وكتب له دواء، وحدد له موعدًا بعد أسبوع.
عاد الرجل بعد أسبوع، وقال: لم أشعر بأي تحسن.
غيّر الطبيب العلاج، وطلب منه أن يعود مرة أخرى.
ولما عاد للمرة الثالثة، قال بحزن: ما زال الصداع يلازمني، ولم تُجدِ الأدوية نفعًا.
ابتسم الطبيب وقال: لم يبقَ أمامك إلا حل واحد. اذهب إلى البهلوان في ساحة القرية. اضحك معه ساعة، وانسَ همومك قليلًا، فربما كان الضحك خيرًا من ألف دواء.
ساد الصمت للحظات…
ثم رفع الرجل رأسه، ونظر إلى الطبيب بعينين تخفيان تعبًا طويلًا ودموعًا، وقال بهدوء:
– ما رأيك لو قلت لك يا دكتور… أنا البهلوان.
ساد صمت أثقل من الكلام.
في تلك اللحظة أدرك الطبيب أن أكثر الناس قدرةً على إسعاد الآخرين، قد يكون أكثرهم حاجةً إلى من يسألهم: كيف حالكم؟
فليس كل من يبتسم سعيدًا، ولا كل من يزرع الأمل في قلوب الناس يعيش مطمئن القلب. كم من معلم يربي الأجيال وهو يواجه وحده متاعب الحياة، وكم من طبيب يخفف آلام مرضاه ويخفي أوجاعه، وكم من أب أو أم يمنحان أبناءهما الطمأنينة، بينما يحملان في صدريهما قلقًا وألمًا لا يراه أحد.
إننا في زحمة الحياة، نتقن سؤال الناس عما يقدمونه، وننسى أن نسألهم عما يشعرون به، أو ماذا يمكن أن نقدم لهم نحن.
فلعل كلمة صادقة، أو اتصالًا عابرًا، أو سؤالًا بسيطًا: “كيف حالك أنت؟” يكون أحيانًا أبلغ أثرًا من وصفة دواء.
ولعل أجمل عبرة من حكاية البهلوان أن الإنسان، مهما بدا قويًا أو مرحًا أو ناجحًا، يبقى بحاجة إلى قلب يسمعه، لا إلى عين تراقبه.
فكم من بهلوان يضحك الناس… وكم من قلب، خلف تلك الابتسامة، يخفي جراحًا لا يراها أحد.
فما أكثر الذين يداوون جراح الآخرين، لكن ما أقل الذين يسألونهم عن جراحهم الداخلية ولو بكلمة او استفسار او اهتمام…
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7259306
