بقلم : نبيل حرب

هناك رجالٌ تمرّ أسماؤهم في صفحات التاريخ، وهناك رجالٌ يصنعون التاريخ نفسه. ومن بين هؤلاء يبرز البطريرك الماروني الثاني والسبعون، الطوباوي إلياس بطرس الحويّك، الذي لم يكن مجرد رأس للكنيسة المارونية، بل كان ضمير وطن، وصوت شعب، ورجل دولة حمل قضية لبنان إلى العالم، قبل أن يولد لبنان الكبير بصيغته الحديثة.

ولد في بلدة حلتا البترونية عام 1843، في زمن كانت فيه المنطقة تعيش اضطرابات سياسية وتحولات كبرى. ومنذ شبابه، اختار طريق الكهنوت والعلم، فتلقى علومه في روما، وعاد إلى وطنه حاملاً رسالة الإيمان والمعرفة، قبل أن يُنتخب بطريركًا عام 1898، لتبدأ واحدة من أهم الحقب في تاريخ الكنيسة ولبنان.

لم يكن الحويّك بطريركًا يكتفي بالصلاة داخل الكنائس، بل نزل إلى وجع الناس، وجعل من بكركي بيتًا لكل محتاج. ففي سنوات المجاعة الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى، حين حصد الجوع عشرات الآلاف من اللبنانيين، فتح أبواب الصرح والأديار لإطعام الجائعين وإغاثة المنكوبين، من دون أن يسأل عن طائفة أو مذهب أو انتماء. بالنسبة إليه، كان الإنسان هو القيمة الأولى، وكانت الرحمة أبلغ من كل خطاب.

وعندما انتهت الحرب، أدرك أن خلاص لبنان لا يكون بالمساعدات وحدها، بل بقيام دولة تحفظ كرامة أبنائها. فقاد الوفد اللبناني إلى مؤتمر فرساي عام 1919، مدافعًا بشجاعة عن حق اللبنانيين في وطن حر ومستقل، ذي حدود واضحة وهوية راسخة. ولم يكن ذلك مجرد تحرك سياسي، بل رؤية تاريخية آمن بها وضحّى من أجلها.

ثم جاء الأول من أيلول عام 1920، ليقف البطريرك الحويّك في قصر الصنوبر إلى جانب الجنرال غورو، شاهدًا على إعلان قيام دولة لبنان الكبير، بعدما كان أحد أبرز مهندسي الفكرة وحاملي مشروعها أمام العالم. ومنذ ذلك اليوم، ارتبط اسمه بولادة الكيان اللبناني، حتى لُقّب بحق بـ”أبي لبنان الكبير”.

لكن عظمة الحويّك لم تكن في السياسة وحدها، بل في أخلاقه وإنسانيته. فقد جمع بين صلابة الموقف وتواضع الراعي، وبين الدفاع عن الحقوق والانفتاح على الجميع، فبقي مرجعًا وطنيًا يتجاوز الانقسامات، ويؤمن بأن لبنان لا يقوم إلا بالشراكة والمحبة والعدالة.

واليوم، وبعد نحو قرن على رحيله، جاء إعلان تطويبه في الخامس والعشرين من تموز 2026 تتويجًا لمسيرة رجل عاش القداسة في خدمة الإنسان والوطن. فالكنيسة لم تحتفل بشخصية تاريخية فحسب، بل اعترفت بمسيرة حياة جسّدت الإيمان بالفعل، والمحبة بالعطاء، والوطنية بالتضحية.

إن تطويب البطريرك إلياس الحويّك ليس حدثًا كنسيًا فحسب، بل هو محطة وطنية بامتياز، تعيد إلى اللبنانيين ذكرى رجلٍ آمن بوطنهم في أحلك الظروف، ودافع عنه في المحافل الدولية، وحمى أبناءه عندما جاعوا، ووحّدهم عندما تفرّقوا.

في زمنٍ تتزاحم فيه المصالح، وتضيع فيه البوصلة الوطنية، تبدو سيرة الحويّك دعوةً صادقة للعودة إلى القيم التي بُني عليها لبنان: الإيمان، والحرية، والعيش المشترك، وكرامة الإنسان.

رحل الجسد في الرابع والعشرين من كانون الأول عام 1931، لكن الرسالة بقيت، وبقي معها اسم إلياس الحويّك منقوشًا في وجدان اللبنانيين، لا بوصفه بطريركًا مارونيًا فحسب، بل رجلًا استثنائيًا ساهم في ولادة وطن، وأثبت أن القادة الحقيقيين لا يقاسون بما يملكون من سلطة، بل بما يتركون من أثر.

وهكذا، سيظل الطوباوي إلياس بطرس الحويّك رمزًا خالدًا في تاريخ لبنان، وصفحةً مضيئة في تاريخ الكنيسة، ورجلًا سبق عصره في رؤيته، وارتفع فوق الانقسامات في مواقفه، حتى استحق أن يكرمه التاريخ، وتكرّسه الكنيسة، ويحفظه اللبنانيون في ذاكرتهم واحدًا من أعظم بناة الوطن.

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3562517
Total views : 7259306