بقلم نبيل حرب _ رئيس التحرير

ترددتُ مرة أخرى قبل أن أكتب هذا المقال.
قلت في نفسي: لقد قلتُ ما يكفي في مقالي الأول، وقلتُ يومها بوضوح إن رعيتك، يا صاحب الغبطة، ليست بخير.
لكنني اكتشفت أن الوجع لم يتوقف، وأن صرخة الناس لم تصل بعد إلى حيث يجب أن تصل.
لذلك أكتب للمرة الثانية.
لا لأهاجم أحدًا، ولا لأدين أحدًا، ولا لأدخل في مواجهة مع الكنيسة التي نحبها ونؤمن برسالتها، بل لأنني مؤمن بأن من يحب كنيسته لا يصمت عندما يرى أبناءها يتألمون.
يا صاحب الغبطة…
تخيّل لو سمحت وعلى سبيل الخيال فقط لأننا كلنا اولادك، أن أحد أولادك في المدرسة، والآخر في الجامعة.
تخيّل أن عليك أن تدفع قسط المدرسة، وقسط الجامعة، وإيجار البيت، وفاتورة الكهرباء، والطبابة، والطعام، وأن راتبك بالكاد يكفي أسبوعين.
تخيّل أن تأتيك فاتورة جديدة، فتجلس وحدك في آخر الليل، وتبدأ الحساب:كم بقي معي؟
ماذا أبيع؟ من أستدين منه؟كيف أدفع القسط؟وماذا أفعل إذا عجزت؟
تخيّل أن يأتيك ابنك، الذي تعبت سنوات طويلة لتعلّمه، ويقول لك:
“أبي… هل أستطيع أن أكمل دراستي؟”
ماذا تقول له؟
هل تقول له: لا أستطيع؟
هل تقول له: اترك الجامعة؟
هل تقول له: ابحث عن بلد آخر وتعلم فيه؟
أم تقول له: انتظر حتى أبيع ما تبقى من البيت والارض وربما الكرامة؟
هذا هو حال آلاف العائلات اليوم، يا صاحب الغبطة.
وهذا هو الوجع الذي أريد أن يصل إليك.
هناك أبٌ باع أرضه لكي يعلّم ابنه،وأمّ باعت مصاغها لكي لا ينقطع ابنها عن الجامعة،وعائلة باعت سيارة كانت تحتاج إليها، لتدفع أقساط أولادها ،وآخرون استدانوا، ثم استدانوا مرة ثانية، حتى تراكمت عليهم الديون، وأصبحوا يعملون لا ليعيشوا، بل ليسددوا دين أقساط التعليم.
غبطة البطريرك، الناس تستثمر كل ما تملك في أبنائها.تبيع الحاضر من أجل المستقبل.تبيع بيتًا، أو أرضًا، أو ذهبًا، أو سيارة، ليحصل ابنها على شهادة.لكن السؤال المؤلم هو:ماذا لو انتهى هذا الاستثمار بالهجرة؟
ماذا تنفع الأوقاف والمباني والأراضي اذا هاجر الناس؟
ماذا لو قضى الأب والأم سنوات من حياتهما يدفعان آلاف الدولارات لتعليم ابنهما، ثم ما إن يتخرج حتى يحمل شهادته وجواز سفره ويغادر لبنان؟ماذا يبقى للأهل؟
تبقى الديون.ويبقى البيت الذي ربما رُهن.وتبقى سنوات التعب.ويبقى مقعد الابن فارغًا.ويبقى لبنان يخسر شابًا جديدًا.وتبقى الكنيسة تسأل يومًا: أين ذهب شبابنا؟
ذهبوا يا صاحب الغبطة لأنهم لم يجدوا وطنًا يستطيع أن يحتضن أحلامهم.
ولأن أهلهم لم يعودوا قادرين على تحمّل كلفة تعليمهم وحياتهم.
يا صاحب الغبطة…
المشكلة ليست في أن يتعلم أبناؤنا.
المشكلة أن التعليم الذي كان طريقًا إلى الخلاص أصبح بالنسبة إلى كثير من العائلات سببًا جديدًا للديون والقهر والموت حسرة.
والأخطر أن الفقر لا يميّز بين مدرسة وجامعة وطائفة.الفقر يطرق أبواب الجميع.لكن عندما يصل الفقير إلى مؤسسة تحمل اسم قديس، أو مؤسسة تقوم في رسالتها على التعليم والإنسان، فإنه ينتظر منها شيئًا إضافيًا:
الرحمة.
ينتظر أن يجد من يسمعه.
من يقول له: لا تخف.
من يمد له يدًا.
من ينظر إلى ظروفه لا إلى دفتر حساباته فقط.
يا صاحب الغبطة،
أنا لا أطلب المستحيل.
ولا أطلب أن تتحول المدارس والجامعات إلى جمعيات خيرية.
أطلب فقط أن تتذكر المؤسسات الكنسية رسالتها.
أن يكون هناك صندوق حقيقي لمساعدة الطلاب المحتاجين الفقراء من غير المتفوقين الذين يحصلون على منح…
أن تُعطى المساعدة للأبناء الفقراء من غير المتفوقين الذين يستحقونها.
أن تُراعى أوضاع العائلات التي انهارت قدرتها الشرائية.
أن تكون هناك سياسات واضحة للأقساط، والتقسيط، والإعفاءات والمساعدات.
أن لا يُترك الطالب أمام خيارين فقط:
إما أن يدفع… أو يرحل ويحرم من الامتحان واخذ مواد جديدة.
فالطالب الذي نساعده اليوم على إكمال دراسته قد يكون الطبيب الذي يعالج أبناءنا غدًا، والمهندس الذي يبني وطننا، والمحامي الذي يدافع عن حقوقنا، والأستاذ الذي يعلّم أولادنا، والإعلامي الذي يحمل صوتنا.
إنقاذ طالب من الانقطاع عن الجامعة ليس مساعدة مالية فقط.
إنه إنقاذ مستقبل.
وفي الإنجيل، لم يقل المسيح:”كنت جائعًا فأعطيتموني المال.”
بل قال:«كنتُ جوعانًا فأطعمتموني، وعطشانًا فسقيتموني، غريبًا فآويتموني، عريانًا فكسيتموني، مريضًا فزرتموني».
ثم قال:«بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي فعلتم».
فماذا لو كان “الصغير” اليوم طالبًا لا يستطيع دفع قسطه؟
ماذا لو كان جائعًا إلى العلم؟
ماذا لو كان عطشانًا إلى فرصة؟
ماذا لو كانت عائلته تقف على باب مؤسسة تعليمية عاجزة عن تأمين القسط؟
أليس هذا أيضًا وقت الرحمة؟
أليس هذا هو المكان الذي يجب أن تظهر فيه رسالة المسيح؟
يا صاحب الغبطة…
الشباب المسيحي لا يهاجر لأنه لا يحب لبنان.
أغلبهم يهاجر لأنه لم يعد يستطيع أن يعيش فيه.
وهناك فرق كبير.
الشاب الذي أمضى سنوات في الجامعة، وخرج منها محمّلًا بشهادة وبآمال كبيرة، يجد نفسه أحيانًا أمام أبواب مغلقة.فيقرر السفر.يسافر ليعمل.يسافر ليسدد ديون أهله.يسافر ليبني مستقبله.
لكن خلفه أم وأب، دفعا كل ما يملكان ليصل إلى هذه اللحظة.
فتصبح المفارقة موجعة:
الأهل يستثمرون في تعليم أبنائهم داخل لبنان، ولبنان يخسر هؤلاء الأبناء بعد تخرجهم.
وهكذا نخسر مرتين:
نخسر المال الذي دفعته العائلة.
ونخسر الإنسان الذي كان يمكن أن يبني الوطن.
يا صاحب الغبطة…
لا أريد أن أضعك في مكان صاحب القرار السياسي.
لكنني أريد أن أضعك في مكان الأب.
أنت أبٌ لرعية.
والأب عندما يسمع أن أبناءه يتألمون، لا ينتظر أن يأتيه أحد ليطلب منه الرحمة.يذهب هو إليهم.يدخل بيوتهم.يسمعهم.يسألهم:
ماذا تحتاجون؟كيف أساعدكم؟كيف نحافظ على أولادكم في المدارس والجامعات؟كيف نمنع شابًا من ترك جامعته؟كيف نمنع عائلة من بيع بيتها؟
كيف نحمي أمًا من أن تبيع آخر قطعة ذهب تملكها؟كيف نحافظ على شاب مسيحي في أرضه بدل أن يصبح لبنان مجرد ذكرى في قلبه؟
هذه، يا صاحب الغبطة، ليست أسئلة مالية.
إنها أسئلة وجود.
لقد دفع آباؤنا وأجدادنا أثمانًا غالية كي يبقى هذا الوطن.حملوا الصليب.دافعوا عن الأرض.بنوا الكنائس والمدارس والجامعات.تبرعوا بالأرض والمال.وعندما كان الوطن في خطر، لم يسألوا: ماذا سأربح؟كان سؤالهم:
كيف يبقى لبنان؟
واليوم يأتي دورنا.
والدور الأكبر، في رأيي، على المؤسسات التي تحمل رسالة المسيح.
أن تقف إلى جانب الإنسان قبل أن يصبح هذا الإنسان غريبًا في وطنه.

يا صاحب الغبطة…
ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في مفهوم التعليم نفسه.التعليم ليس سلعة.والجامعة ليست فندقًا.والمدرسة ليست مشروعًا تجاريًا.التعليم رسالة.
وحين يكون التعليم في مؤسسة تحمل اسم قديس، فإن الناس تتوقع أن ترى في هذه المؤسسة شيئًا من روح القديس الذي تحمل اسمه.
القديسون لم يتركوا لنا أسماءهم فقط.
تركوا لنا سيرتهم.
تركوا لنا الرحمة.
تركوا لنا التضحية.
تركوا لنا الإنسان.
لذلك، أتمنى من غبطتكم أن تطلقوا مبادرة كنسية حقيقية:
“صندوق إنقاذ الطالب اللبناني”.
صندوق تتشارك فيه الكنائس والأبرشيات والمدارس والجامعات والمغتربون ورجال الأعمال والمؤسسات الخيرية.
صندوق لا يسأل الطالب من أي بيت هو ولا عن مستوى تفوقه، بل يسأل:
هل يحتاج؟ هل يستحق؟ هل يريد أن يتعلم؟فإذا كان الجواب نعم، فلتكن الكنيسة إلى جانبه.
ساعدوا أبناءكم لكي يبقوا.
ساعدوا أهلهم لكي لا ينهاروا.
ساعدوا شبابكم لكي لا يصبح السفر هو الحل الوحيد.
فما قيمة أن نبني أجمل الكنائس إذا لم يبقَ في محيطها شباب يصلّون فيها؟
ما قيمة أن تقرع الأجراس إذا كان الذين كانوا يسمعونها قد حملوا حقائبهم ورحلوا؟
ما قيمة المدارس والجامعات إذا أصبح أولاد الفقراء عاجزين عن الدخول إليها؟
يا صاحب الغبطة…
أقولها للمرة الثانية، وربما سأكررها ما دام في القلب وجع:

رعيتك ليست بخير.

الأب لم يعد قادرًا.
الأم لم تعد قادرة.
الطالب خائف من الغد.
الشاب يفكر بالهجرة قبل أن يتخرج.
والعائلة التي باعت كل شيء من أجل تعليم أولادها بدأت تشعر أنها دفعت ثمنًا كبيرًا لوطن لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بأبنائه.
فكونوا إلى جانبهم.
لا تتركوهم وحدهم.
افتحوا لهم الأبواب.
خففوا عنهم.
اسمعوا وجعهم.
واجعلوا من الكنيسة مرة أخرى بيتًا للفقراء، وملجأً للمتعبين، ومدرسةً للرحمة، وصوتًا لمن لا صوت له.
وأقول لك يا صاحب الغبطة شيئًا من القلب:
تخيّل أن ابنك هو الذي يقف أمام باب الجامعة، ولا يملك قسطه.
تخيّل أن ابنتك تقول لك: “أبي، أريد أن أكمل دراستي، لكنني أخجل أن أطلب منك المزيد.”
تخيّل أنك أنت الذي اقترضت، وبعت، ورهنت، وتعبت، ثم اكتشفت أن كل ما فعلته قد ينتهي بأن يحمل ولدك حقيبته ويسافر يأسا وقهرا وقرفا…
عندها فقط…
ربما ستسمع الصرخة التي أحاول أن أنقلها إليك.
إنها ليست صرخة صحافي يحب كنيسته ويؤمن بتعاليمها…
وليست صرخة معارض.
إنها صرخة أبٍ
صرخة مواطن بسيط للمرجع الكنسي المسؤول عنه.
صرخة ابن من أبناء هذه الرعية إلى أبيها:
لا تتركونا وحدنا.
يا صاحب الغبطة…
مدّوا أيديكم اكثر إلى الناس قبل أن تمتد أيديهم إلى أبواب السفارات.
أنقذوا الطالب قبل أن يحمل وجعه إلى الخارج.
أنقذوا العائلة قبل أن تبيع آخر ما تملك.
أنقذوا الشباب قبل أن يصبح لبنان بالنسبة إليهم مجرد صورة قديمة في هاتف أمهاتهم.
فالمسيح الذي نؤمن به لم يأتِ ليكون إلى جانب الأقوياء فقط.
جاء إلى المتعبين.إلى الفقراء.إلى المنكسرين.
إلى الذين لا يجدون من يسمعهم.فكونوا كما نعهدكم حيث كان المسيح.
كونوا مع الإنسان.كونوا مع الطالب.كونوا مع الأب.
كونوا مع الأم.كونوا مع الشباب.وكونوا مع لبنان.
لأننا إذا خسرنا أبناءنا…
فلمن ستقرع الأجراس غدًا؟
غبطة البطريرك… رعيتك ليست بخير.
وهذه المرة أيضًا…
أشهد أمام الله وأمامكم أنني بلغت…

شاركها.

عدد الزوار الاجمالي

3566412
Total views : 7267255