بقلم : نبيل حرب
أي شعب نحن؟
وصفيحة البنزين تجاوزت الثلاثين دولارًا، ولا من يتكلم، ولا من يصرخ، ولا من يعبّر عن وجعه.
أي شعب نحن؟
نشتري البنزين بأموال تكاد تساوي ثمن قوت يومنا، ثم نعود إلى بيوتنا وكأن شيئًا لم يحدث.
نشتكي في المجالس، نهمس في السيارات، نتذمّر في المقاهي، ثم نصمت… ونمضي.ونشرب الأركيلة.
أي شعب نحن؟
وفاتورة الكهرباء تجاوزت في بعض البيوت العادية الـ600 دولار، فيما كهرباء الدولة لا تكاد تصل إلا ساعات قليلة.
600 دولار!
من أين يأتي بها المواطن؟ ومن أين يدفعها الموظف؟ ومن أين يأتي بها رب العائلة الذي بالكاد يكفي راتبه آخر الشهر؟
ومع ذلك… صمت مطبق.
أي شعب نحن؟
وأقساط المدارس والجامعات تجاوزت حدود المنطق، وتحوّلت التربية والتعليم من حقّ إلى رفاهية، ومن حلم إلى عبء.
أبٌ يعمل ليل نهار ليؤمّن قسط ابنه، وأمّ تحسب ألف حساب قبل أن تشتري له كتابًا أو ثوبًا أو حتى وجبة.
أي مستقبل نعدّ لأبنائنا غير البطالة والهجرة والتشرد؟
أي شعب نحن؟
وفاتورة السوبرماركت تضاعفت، وكلما دخل المواطن متجرًا خرج منه بأكياس أقل وفاتورة أكبر.
الضرائب تنهش الأخضر واليابس، والرسوم تتكاثر، والأسعار تركض أسرع من قدرة الناس على اللحاق بها.
حتى الضروريات أصبحت كماليات.
ومع ذلك… نحن ساكتون وصاغرون
أي شعب نحن؟
نحن الذين ندفن رؤوسنا في الرمال كالنعامة، ونغلق أبوابنا ونوافذنا، ونحاول أن نقنع أنفسنا بأن الأمور ستتحسن.
متى؟ومن سيحسّنها إذا كنا نحن لا نصرخ؟من سيحمل وجعنا إذا اعتدنا على الوجع؟
أي شعب نحن؟
وشبابنا يهاجرون.الصفوف أمام السفارات أطول من الصفوف أمام مؤسسات الدولة.
شهادات جامعية، اختصاصات نادرة، أطباء ومهندسون وممرضون وأساتذة وأصحاب كفاءات… ينتظرون فرصة للخروج من لبنان.
نفرح عندما ينجح ابننا في السفر، ونزغرد له عند المطار، وكأننا نحتفل بانتصار.
أي انتصار هذا؟نحن نفرح لأن أبناءنا وجدوا وطنًا آخر، ونسأل أنفسنا في الوقت نفسه: من سيبقى هنا؟
أي شعب نحن؟
نحن الذين نرسل أبناءنا إلى الخارج كي يعيشوا، ثم نبقى هنا نبحث عن سبب جديد لنقول إن لبنان بخير.
لكن لبنان لا يكون بخير عندما يخسر شبابه.
ولا يكون بخير عندما تهاجر كفاءاته.
ولا يكون بخير عندما يصبح الطموح الوحيد لشاب لبناني أن يحصل على تأشيرة سفر.
أي شعب نحن؟
ماذا نفعل عندما يفرغ لبنان من شبابه؟من يحمل المؤسسات؟من يبني الاقتصاد؟من يدافع عن الوطن؟من يؤسس الشركات؟من يعلّم أبناءنا؟من يعالج مرضانا؟من يزرع الأرض؟من يبقى؟
أي شعب نحن؟
نحن أمام وطن يأكل أبناءه، ثم يتساءل لماذا لم يعد فيه شباب.
وطن يدفع أبناءه إلى الهجرة، ثم يشتكي من هجرة الأدمغة.
وطن يثقل المواطن بالضرائب والفواتير والأقساط، ثم يطالبه بالصبر.
إلى متى؟
إلى متى يبقى المواطن اللبناني هو الحلقة الأضعف؟
إلى متى يبقى راتبه ثابتًا والأسعار ترتفع؟
إلى متى يبقى يدفع ثمن الكهرباء مرتين، وثمن الطبابة مرتين، وثمن التعليم مرتين، وثمن الدولة الغائبة مرات ومرات؟
أي شعب نحن؟
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا السؤال الأصعب:
هل اعتدنا على الألم إلى درجة أننا لم نعد نشعر به الى درجة الخنوع؟
هل أصبح الظلم عاديًا؟
هل أصبحت الفاتورة المرتفعة خبرًا عابرًا؟
هل أصبحت الهجرة قدرًا؟
هل أصبح الفقر حالة طبيعية؟
هل أصبح الصمت فضيلة؟
لا يا سادة.
الصمت أمام الوجع ليس حكمة دائمًا.
والسكوت عن الخطأ ليس وطنية.
والوطنية ليست أن نتحمّل إلى ما لا نهاية، بل أن نطالب بحقنا في أن نعيش بكرامة.
أي شعب نحن؟
نحن شعب جميل، صبور، كريم، يعرف كيف يحب وطنه حتى في أصعب الظروف.
لكن الصبر له حدود.
والوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل دولة تحمي أبناءها، وقانون يحفظ حقوقهم، واقتصاد يؤمّن لهم حياة كريمة، ومستقبل لا يجبر أبناءهم على الرحيل.
أي شعب نحن؟
السؤال ليس لإدانة الناس…بل لإيقاظهم.لعلنا نتوقف قليلًا عن الصمت.لعلنا نرفع الصوت.لعلنا نقول، بكل هدوء وثبات:كفى.
فلبنان ليس بحاجة إلى شعب يعتاد على العتمة،
ولا إلى جيل يتعلم كيف يهاجر،
ولا إلى آباء يتفننون في تأمين ثمن الفواتير.
لبنان بحاجة إلى شعب يقول:
نحن هنا… لنا حق في وطننا، ولأبنائنا حق في المستقبل.
وإلا…
أي لبنان سيبقى؟
عدد الزوار الاجمالي







Total views : 7267255
