الانبطاح اسهل الطرق للوصول!

بقلم نبيل حرب

بعد خمسة وأربعين عامًا من الغوص في حبر الصحف، والركض خلف خبرٍ يغيّر حياة الناس، يمكنني أن أقول بثقة جارحة: إن مَن يملك الأخلاق والمبادئ في هذا العالم، بالكاد يستطيع أن يأكل لقمته بعرق جبينه، بينما من يجيد الانبطاح، من يبرع في تبديل مواقفه كما يبدّل قفازاته، من يركع ويُقبّل الأيادي، ويُلمّع الأحذية، يصل بسهولة إلى أعلى المراكز، فيُصفَّق له وتُفرش له السجادات الحمراء.

هذا ليس اكتشافًا جديدًا، بل حقيقة قديمة كالعمر، موجعة كجرحٍ مفتوح على مصراعيه. فالحروب مثلًا، لطالما مات فيها الشجعان، وساد الجبناء، هؤلاء الذين يجلسون خلف الطاولات يوزّعون الأوسمة على بعضهم، فيما تبقى دماء الأبطال حبرًا رخيصًا في دفاتر التاريخ.

في عالم الصحافة، كلما حاولت أن تحافظ على نزاهتك، وجدت أبوابًا تُغلَق، ومساحاتٍ تُختصر، ووجوهًا تتبدّل. الأخلاق هنا تهمة، والمبادئ لعنة، والحقيقة سلاحٌ موجه إلى قلبك أنت، قبل أن تصيب خصمك.

لكن، ما زال هناك مَن يختار أن يظل واقفًا، ولو وحيدًا. مَن يكتب بالقلم، لا باللسان المزدوج. مَن يرفع الصوت، لا الصدى. هؤلاء هم القلّة الذين ينسجون شرف المهنة بخيوط الألم والصبر والكرامة.

قد لا يصلون إلى المناصب الرفيعة، ولا تُقدّم لهم الأوسمة على المنابر، لكن يكفيهم أنهم ينامون وضمائرهم هادئة، وأنهم تركوا على الورق بصمة لا يقدر عليها مَن باعوا شرفهم بثمن بخس.

اليوم، في زمن “المطبلين” و”المصفقين” و”المنبطحين”، صار الوفاء للمبادئ شذوذًا، والنزاهة حماقة. ومع ذلك، سيبقى الحرف سيفنا، والحقيقة ساحتنا، مهما طال زمن الأقنعة.

لأننا نؤمن أن الشرف لا يُشترى، وأن الكلمة الحرة لا تركع، وأن الأقدام التي تمشي مستقيمة قد تتعب، لكنها لا تنكسر ولا تنحني ولا تركع الا لخالقها…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,298