انتحال صفة الصحافي… مهنة النبلاء ليست مباحة للعابثين

بقلم نبيل حرب

في زمن اختلط فيه الحابل بالنابل، وصارت الكلمات المبعثرة على صفحات التواصل الاجتماعي تُمنَح لقب “مقال”، صار من الضروري أن نصرخ عاليًا: الصحافة ليست ملاذًا للطّبالين والأميين والمتزلفين والمتسلقين ولا ساحة مفتوحة لكل من هبّ ودبّ.

الصحافة هي السلطة الرابعة انها مهنة نبيلة، تقوم على رسالة، وعلم، وأخلاق. وليست بطاقة تُشترى في سوق الوهم أو لقبًا يُعلَّق على الصدور من دون مؤهلات أو استحقاق. الصحافة اختصاص يُدرّس في الجامعات، ويقوم على أسس علمية راسخة: من الأخلاقيات الإعلامية، إلى التوثيق، إلى القوانين التي ترعى المهنة وتحمي المجتمع من التضليل. منذ نصف قرن، وعلوم الإعلام تُدرّس في أرقى الصروح الأكاديمية، وتخرّج جيلاً بعد جيل من الصحافيين الذين يفهمون أن القلم أمانة، وأن الكلمة سلاح.هؤلاء يتحولون الى عاطلين عن العمل ليحل مكانهم بعض الجهلة والصويحفيين…

فاليوم صار كل من كتب بضع جمل على “فيسبوك” أو نشر صورة على “إنستغرام” يُطلق على نفسه لقب “صحافي”. أين نحن من المعايير؟ هل يعقل أن يصبح اللقب مهنة من لا مهنة له؟ الطبيب لا يكون طبيبًا إلا إذا نال شهادته في الطب، والمهندس لا يُعترف به إلا إذا حمل إجازة في الهندسة، والصيدلي لا يفتح صيدليته إلا بعد دراسة الصيدلة. فلماذا استثناء الصحافة من هذه القاعدة؟ ولماذا يُسمح بانتحال هذه الصفة من دون حسيب أو رقيب؟

على النقابات المختصة، ونادي الصحافة، ورابطة خريجي الإعلام أن يتحركوا فورًا لملاحقة منتحلي الصفة. وعلى وزارة الإعلام أن تكون السد المنيع أمام هذا العبث، فلا تمنح أي بطاقة أو اعتماد او رخصة موقع او جريدة او مجلة او اذاعة إلا لحامل شهادة جامعية في الإعلام أو ما يعادلها. من حق أي إنسان أن يكتب، إذا كان ما يكتبه صالحًا للنشر، لكن ليس من حقه أن يدخل إلى النقابة أو يتدثر بلقب “صحافي” دون مؤهلات أكاديمية تشرّف المهنة وتحمي قيمتها.

لقد أفرغ بعض المتطفلين اللقب من معناه، حتى بتنا نخجل أن نُعرّف أنفسنا أمام الناس بأننا “صحافيون”، خوفًا من أن نُقارن بمن لا يفرق بين الخبر والشائعة، ولا بين الرأي والمعلومة. مهنة الصحافة أكبر من طموحات الطارئين عليها، وأشرف من أن تُسلّم مفاتيحها لمن يجهل أبجدياتها.

الصحافة ليست وظيفة، بل مسؤولية ورسالة. ومن يظنها وسيلة للتسلّق أو للظهور على المنابر، فليبحث عن لقب آخر… أما لقب “الصحافي” فسيبقى حكرًا على من يستحقه، علمًا وأخلاقًا وممارسة…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,587