هكذا تتحول بطوننا الى مختبرات…
بقلم نبيل حرب
في لبنان، لا تحتاج إلى نشرة طقس لتعرف حرارة الصيف، يكفي أن تمر بجانب مطعم شعبي وتشم رائحة اللحوم المجلدة منذ عهد المغول، وقد قررت فجأة أن تذوب تحت شمس آب اللهاب !
هنا، لحم منتهي الصلاحية يُنعش على طريقة “التجميد بالنوايا” ويدخل الى بطون اللبنانيين بأسعار مرتفعة ونوعية رديئة، وهنالك دجاج يبتسم لك من الواجهة لكنه في الحقيقة كتب وصيته منذ أسابيع واخر الاخبار العثور على دجاج يحتوي على الديدان فتصوروا !
الأجبان او بعضها؟ لا تسأل! أحيانًا تجد في الجبنة من التنويع الجرثومي ما لا تجده في أكبر مختبرات البحث العلمي. أما بعض انواع الألبان فهي مغامرة بحد ذاتها: ملعقة منها كفيلة بأن تأخذك في رحلة طيران داخلي نحو أقرب مستشفى.
هل سألتم انفسكم يوما لماذا يكثرون من التوم والبهارات والحامض في بعض السندويشات،كل ذلك من اجل اخفاء الطعم الكريه والرائحة…ولو بعطر يأخذك الى الموت.
حتى الخبز — ذلك البسيط الذي كنا نظنه “آخر ملجأ للسلامة” — أصيب بعدوى الفساد ساعة يتحدثون عن تلوث القمح،واحيانا بعض السخفاء يرمون حيواناتهم المنوية في المعجن كما حصل سابقا او يجدون الحشرات داخله كما قيل اكثر من مرة،وهنا يبرز السؤال اين المراقبة الذاتية عند البعض والاخلاق…
اماالمياه المعبأة في الجالونات فتحوّلت أحيانًا إلى “كوكتيل بيولوجي” قد لا يصمد أمامه حتى أقوى جهاز مناعة نتيجة التلوث اصلا بالمواد البلاستيكية المعاد تدويرها او لتعرضها لاشعة الشمس الحارقة . أما مياه الحنفية، فتسلك في بعض المناطق طرقًا عاطفية، فتختلط مع مياه المجاري قبل أن تصلنا… لتضفي على طعم الشاي لمسة لا تنسى ولتصبح من المرطبات الهامة خلال الصيف!
المايونيز والصوصات في الصيف؟ هذا فصل آخر من رواية الرعب: ساعة كهرباء واحدة، وأربع ساعات انقطاع، وهذا كاف ان يحول هذه المواد الى… فيتامين “وملوثات وجراثيم تدخل المعدة” دوز استئذان.
الخضار والفواكه؟ قد تكون تروى بماء ملوثة تمتصها النبتة وتثبت في داخلها أو مرشوشة بمبيدات تسبب السرطان وتحبه أكثر مما يحب اللبناني قهوته الصباحية.
ثم نسأل: لماذا أمراض السرطان في ارتفاع؟ ولماذا تكثر حالات التسمم؟اسألوا طوارئ المستشفيات كم تستقبل من حالات التسمم اليومية كان اخرها ما اعلن قبل مدة عن دخول عشرات المرضى تسمما نتيجة تناول الكفتة في احد المطاعم.
ام الجواب فواضح: لأننا نعيش في أكبر مختبر تجارب على وجه الأرض، حيث المواطن هو الفأر، والمائدة هي الحقل، حقل التجارب ،والنتيجة… “إذا بقيت حيًّا، فأنت لبناني أصيل تتمتع بأعلى درجات المناعة” وقد نجحت في الاختبار.
والأجمل أن المغترب حين يعود إلى الوطن، يبدأ رحلته بـ”حمية المستشفيات”: اليوم الأول صور على إنستغرام، اليوم الثاني في المستشفى ومصل في الوريد، و”هلا بالخدمات الطبية”.وبالضيوف في لبنان.
أين مصلحة حماية المستهلك؟ أين الرقابة؟اين وزارة الصحة ووزارة الاقتصاد؟لماذا تكاثر حالات التسمم الغذائي؟هل تحتاج مراقبة الاغذية الى مؤتمر دولي ومجلس امن حول لبنان…لن اتحدث عن معلبات فاسدة تجدد تواريخها بغياب الرقيب والحسيب.
لقد رأينا الوزير وائل أبو فاعور يومًا، يقيم الدنيا ويقعدها على الفاسدين، حتى كدنا نصدّق أن لبنان سيصبح مطبخًا نظيفًا. فلماذا لا نعيد الكرّة؟ لماذا لا نحمل مجددًا ميزان العدالة إلى المسالخ والمطاعم والسوبرماركت ونشهر بالمخالفين ونطبق عليهم اقصى درجات العقوبات وننوه علنا بالصالحين؟
إلى أن يحصل ذلك، لا يبقى لنا إلا أن ننتبه الى ما يدخل الى جوف معدتنا من قبل من انعدمت عندهم الضمائر وماتت الاخلاق…
وإلى أن يفيق ضمير هذا الوطن، ويعود القانون ليحكم المطبخ قبل شريعة الغاب، سيبقى اللبناني يأكل بين فكي كماشة: فم يلتهم، ومعدة تقاوم. سنظل نمضغ الخطر ونشرب السم على جرعات، حتى نصبح شعبًا نصفه في الصيدليات والمستشفيات ونصفه الآخر في المقابر… أما الفاسدون، فهم وحدهم الذين يعيشون على “صحة المواطن” ويثرون ويهضمون حقوقه وصحته وكرامته ويتطاولون على الامن الغذائي للناس على مرأى الجميع وفي وضح النهار.

