حين يسافر الأبناء، يموت جزء من قلوبنا

بقلم نبيل حرب

من بين أصدقائي القلائل، هناك رجل أحبه كما أحب أخي وهو دكتور جامعي معروف… أخاف عليه كما أخاف على نفسي. جمعنا العمر منذ أيام المدرسة، شببنا معًا، كبرنا، افترقت بنا الدروب قليلًا، لكنه بقي في حياتي كنبض لا ينقطع. هو اختار السفر يومًا للتخصص، وأنا اخترت البقاء رغم كل شيء، لكننا كنا نلتقي بعد عودته كل أسبوعين، نتسامر، نضحك، نتبادل الحكايات والأسرار، حتى صارت ضحكته المشهور بها جزءًا من ضرورات الحياة المفرحة.

هذا الصيف، انشغلتُ قليلًا، فلم نلتقِ. حتى افتقدته ذات مساء، فاتصلت… لم يجب. قلت في نفسي: سيعاود الاتصال غدًا أو بعده. لكن الأيام مضت ثقيلة، بلا صوته. وحين رفعت الهاتف مجددًا، جاءني صوته… مختلفًا. كان يتكلم وكأن الحزن يضغط على أنفاسه، صوته يرتجف، وكلماته تتقطع. سألته مرارًا ما بك ؟ حتى باح اخيرا ان ابنه الأكبر سافر فجأة إلى أميركا، والثاني يستعد للرحيل إلى كندا للدراسة.
هو الذي ذاق مرّ الغربة في شبابه، عاد إلى لبنان ليبني عائلة، ليزرع جذورًا هنا، وليعلّم أبناء بلده في الجامعة… فإذا بالقدر يعيده إلى مرارة الوداع. قال لي بصوت مبحوح إنه دخل المستشفى من شدة التأثر ،نتيجة عارض صحي ،ربما من الم الصدمة،وتمتم: احس المنزل فارغا من دونه فكيف الحال اذا سافر ابني الاخر؟ شعرت أنه يتألم. حاولت أن أواسيه… لكن كيف تُطفئ نارًا كهذه؟فالغربة مؤلمة لمن اختبرها وعايش المها…
وبعد،
إلى متى سنبقى ننزف خيرة من أبنائنا؟
إلى متى يبقى شبابنا وقودا للهجرة، يعلّمهم الأهل بعرق الجبين، يبيعون ما يملكون، يحلمون أن يرونهم رجالًا ونساءً ينهضون بالوطن… فإذا بالوطن يطردهم؟فإذا بالوطن اعجز من ان يستوعب طموحاتهم.فإذا بالخلافات والمصالح الخاصة والانانيات تكاد تدمر الوطن بمن فيه…

أي قلب يحتمل أن يكبر الأبناء بعيدًا عن العيون، أن يمرّ العمر دون أن نسمع طرقات أقدامهم في البيت، أو رائحة قهوتهم في الصباح؟ أي قوة تداوي عينين تبحثان عن وجه الابن فلا تجدانه إلا في الصور؟

كفى هدمًا… كفى فسادًا…كفى تعنتا،كفى وعودا، كفى خطابات فارغة. ابنوا وطنًا يعيد العائلات إلى دفء البيوت.اقصدوا الجبال وانظروا الى البيوت المهجورة، فليس في العالم بلد ينزف أبناءه كما ينزف لبنان.اين العدل في ذلك؟وهل كتب على هذا الشعب العذاب؟

قد يقول قائل: الهجرة مفيدة، فهم يرسلون المال الى اهلهم. لكن المال لا يعوّض حضن الابن، ولا ضحكة الابنة، ولا لقاء عائلي على مائدة واحدة. المال لا يمسح دمعة أم، ولا يوقف قلب أب عن الخفقان شوقًا.

الغربة ليست سفرًا… الغربة موتٌ بطيء، يبدأ يوم يغادر أولادنا، ولا ينتهي إلا حين نغادر نحن…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,556