بقلم نبيل حرب

إلى كل الذين يقفون على أبواب السفارات بانتظار ملء استمارة الرحيل…
إلى كل الذين فقدوا الأمل بلبنان، وتراهم يتهامسون أنّ الوطن انتهى، والكيان اندحر، والأرض ضاعت، والشمس زاغت، والحدود تهاوت، والفلوس تبخّرت،وما يجري ليس اكثر من مسرحيات ، فالحرب قادمة ،ولبنان انتهى…

إلى كل هؤلاء وغيرهم، تعالوا نستعرض عبر التاريخ كم من الاحتلالات تعاقبت على لبنان، اندحرت جميعها، وظلّ لبنان ـ وإن تعمّد تاريخه بالدم والتضحيات…

الظروف الاقتصادية كانت عبر التاريخ “حدّث ولا حرج”: من مجاعات وحصار وحروب وإبادات جماعية وزلازل وأوبئة، لكن أجدادنا صمدوا ولم يستسلموا. زرعوا الوعر وأطعموا عيالهم، فتّشوا عن حريّتهم في أعالي الجبال، ولا عجب أن تسمّى بعض المرتفعات الجبلية بالحرية في جرود تنورين لتبقى أطلالها شاهدة على إيمانهم وتضحياتهم وتشبّثهم بالحرية والحق والقيم الإنسانية…والحياة.

لم يكن لبنان بالنسبة لهم حقيبة ولا جواز سفر.
لم يكن لبنان نشيدًا وطنيًّا فقط لافتتاح المناسبات…
بل كان وسيبقى بلد الأنقياء الأتقياء، بلد الله على الأرض، وهذا أرز الربّ لكل مشكّك ومرتاب… وهذه قانا حيث أولى عجائب المسيح بتحويل الماء إلى خمرة…

نحن نمرّ بظروف صعبة: بفقر، بجوع، بفساد،بضائقة اقتصادية، بخوف من المستقبل، بفقدان الفلوس بعدما نهبتنا المصارف، وانحناء بعض الرؤوس… كلّ ذلك صحّ وأكثر. لكن لبنان بالنسبة لنا هو كالأب: فإذا أصاب والدكم ـ لا سمح الله ـ داء عضال، هل تتركوه لقدرِه وتهجروه، أم تداوونه وتُسعفونه وتزرعون الأمل في نفسه حتى يطيب؟؟

تذكّروا أنّ أكبر مجرم وقاتل في الحياة هو قاتل الأمل.
تذكّروا ماذا أعطانا لبنان… تذكّروا تاريخ هذا الوطن الجميل… لبنان علّم الدنيا المعرفة والنطق يوم كانت القارات في علم الغيب ولم تكتشف بعد. لبنان علّم الدنيا العدل، فكانت بيروت “أم الشرائع”.

انظروا إلى القلاع الباقية في صيدا وصور وجبيل والبترون وطرابلس والشقيف وغيرها، علّها تخبركم عن عظمة شعب ونضال أكيد وتاريخ مجيد.
وانظروا في التاريخ الحديث إلى بقايا سكك الحديد والجسور الأثرية، إلى ترامواي بيروت، والمدينة الرياضية، والمرفأ، والمطار، وأضخم الفنادق في العالم يومها… إلى عزّ “ست الدنيا” بيروت التي حسدوها فنحروها، وهي وإن كبَت فلن تموت…

تبصّروا في نضالات التاريخ القديم والحديث، تعرفون أنّنا شعب يمكن أن يصرخ، لكنّه لا يسقط. يهادن لكن لا يستسلم. فنحن كالأشجار: تعطي كلّ ما لديها قبل أن تشيخ، وإن ماتت تموت واقفة شامخة…

تذكّروا لبنان، هذا الحلم الجميل… تذكّروا كم وكم أعطانا وأعطانا، وقد حان الوقت لنردّ له الجميل…

اصبروا فقط، فالليل إلى أفول… أرضنا مقدّسة هي ارض القديسين، ومباركة بدماء الشهداء والأبرار، ومحمية بتضحيات رجال القوى الأمنية الميامين.
اصبروا، فلكلّ ليل نهاية، ولكلّ غروب انبعاث، ولكلّ ضَيم فرَج…
اصبروا فقط، فإنّ الله مع الصابرين. ألم يقل: “من صبر نال، ومن لجّ كفر”!!!
فاصبروا …والله على كل شيء قدير.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,045,521