بقلم نبيل حرب

في هذا الوطن الصغير، الذي كان يوماً منارة علم للشرق والغرب، تحوّل التعليم من حقّ مقدّس إلى عبء خانق. غدا الحلم بالمدرسة والجامعة كابوساً يلاحق العائلات كل صباح، بعدما ارتفعت الأقساط هذه السنة إلى مستويات فاقت الخيال، وبات السؤال المرير يلاحق كل بيت: من أين يأتي اللبناني بالمال ليعلّم اولاده؟

رفعت المدارس الخاصة أقساطها بذريعة غلاء المعيشة والدولار، فيما رواتب المعلمين لا تزال متدنية لا تواكب هذا الجنون. مئات آلاف الدولارات تُجبى، ولا أحد يجيب: أين تذهب هذه الأموال؟ أليست هذه المؤسسات “غير ربحية”؟ أليس التعليم رسالة قبل أن يكون تجارة؟
والأدهى أن الدولة تدعم التلامذة في المدارس الرسمية، وتغضّ الطرف عن معاناة من قصدوا المدارس الخاصة. فهل أصبح خيار الجودة في التعليم خطيئة على الأهل أن يدفعوا ثمنها مضاعفاً؟

أما الجامعات الخاصة فقصتها وجع آخر. بعض الجامعات تطلب 12 ألف دولار سنوياً عن الطالب الواحد، تُسدد خلال ٦ أشهر وسلفا. فكيف إذا كان للعائلة ثلاثة أولاد؟ أي ضمير يقبل أن تدفع ستة آلاف دولار شهرياً كي لا يُحرم الأبناء من حلم الجامعة؟
لقد رأينا الناس تبيع بيوتها، ترهن أراضيها، تتخلى عن سياراتها ومصاغها، كل ذلك كي تبقي أبناءها على مقاعد الدراسة. لكن، هل يجوز أن يتحوّل العلم إلى نزيف يقتات على دم العائلات؟

المواثيق الدولية التي وقّع عليها لبنان واضحة: التعليم حقّ للجميع، مجاني في مراحله الأساسية، ومتاح بالتساوي في المراحل الأعلى. لكن لبنان اليوم يفرّط في هذا الحق، ويترك الأهل وحيدين في مواجهة جشع المؤسسات، وغفلة الدولة، وصمت لجان الأهل.
أليس من واجب الدولة أن توازن بين حق المؤسسات في الاستمرار وحق المواطن في العدل والكرامة؟

إن التعليم الذي كان سلّماً للترقي الاجتماعي صار اليوم مقصلة تُعلّق عليها أحلام الشباب. فإذا هاجر المتعلمون، أو كفروا بالوطن، فلمن تبقى الأرض؟ ومن يحمل راية الغد إذا مات الأمل في قلوب التلامذة؟

إنه لعار أن يتحوّل العلم إلى سلعة، وأن تصير المدارس والجامعات أسواقاً للمضاربة، وأن يُذلّ الأهل على أبواب المؤسسات التربوية. التعليم رسالة قبل أن يكون تجارة، وحقّ قبل أن يكون امتيازاً. ومن يفرّط في تعليم أبنائه، إنما يفرّط بمستقبل وطنه كله.

استحوا! فالناس لم تعد تحتمل. وأعيدوا للتعليم قدسيته، قبل أن يُصبح لبنان أرضاً بلا أبناء، ومستقبلاً من سراب.

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,046,496