بقلم نبيل حرب
منذ أيام، صُدم اللبنانيون بخبر العثور على رضيعة مرمية في مستوعب للنفايات في بيروت. وقبل أن تلتئم الصدمة، داهمنا خبرٌ أشدّ قسوة عبر الاعلام عن: جثّة رضيع تُلقى على جانب الطريق في رعشين – كسروان.
مشهدان متتاليان، أقسى من أن تحتملهما العين أو يستوعبهما القلب. أطفالٌ لم يُمنحوا فرصة الحياة، أُلقي بهم كما تُلقى النفايات، وكأنهم عبءٌ أو خطأٌ أو مجرّد “شيء” بلا روح ولا كرامة.
نسأل: إلى أين وصلنا؟ وماذا بعد؟
أيُّ مجتمعٍ هذا الذي يسمح بتحوّل الطرقات إلى مقابر للملائكة الصغار؟ وأيُّ ضميرٍ هذا الذي يقبل أن يُرمى فلذة كبدٍ بين القمامة أو على قارعة الطريق، بلا رحمة ولا خشية من الله ولا خوف من القانون؟
لنُسمِّ الأشياء بأسمائها: هذه ليست حوادث عابرة، وليست “حالات خاصة”، إنها جرائم قتلٍ موصوفة. جريمة ضد الإنسانية، ضد الطفولة، ضد براءةٍ لم تعرف بعد معنى الذنب.
من لا يريد الأولاد، لماذا يتزوج؟ ومن لا يتحمّل مسؤولية الأبوة أو الأمومة، لماذا يترك نفسه فريسة للطيش والشهوة؟ وهل يعقل أن يُحلّ قتل الرضيع كوسيلة للهروب من خطأ أو ظرف اجتماعي أو اقتصادي؟
نعم، الأزمة الاقتصادية خانقة، والفقر ينهش المجتمع، لكن هل هذا مبرّرٌ لرمي الأطفال؟ أين مؤسسات الرعاية الاجتماعية؟ أين الدولة ومراكز الإيواء؟ أليس من واجبها أن تفتح حضنًا يحمي هؤلاء المواليد بدلًا من أن يتحوّل الشارع إلى مصيرهم المحتوم؟
إنّ غياب المؤسسات لا يعفي الأهل من مسؤولياتهم. فقتل الروح التي وهبها الله هو اعتداء صارخ على وصايا السماء، ووصمة عار لا يمحوها أي عذر.
الطفل ليس “ملكية” يتصرّف بها الأب أو الأم كيفما شاء. إنّه أمانة، روحٌ من عند الله، وحياته مقدسة. أيّ اعتداء عليه هو جريمة مضاعفة: جريمة أمام القانون وجريمة أمام الضمير وجريمة أمام الخالق.
لقد حان الوقت كي يقول القضاء كلمته الحاسمة. فالتساهل مع مثل هذه الجرائم يعني تشجيعها. يجب إنزال أشد العقوبات، ليس فقط بحقّ الفاعلين المباشرين، بل بحقّ كل من يتواطأ أو يتستّر أو يسهّل.
إن قتل الرضع لا يندرج ضمن “الأخطاء العائلية” أو “الظروف الاجتماعية”، بل هو قتل عمد، والسكوت عنه جريمة ثانية.
قد يُرمى الرضيع في القمامة، لكن الله لا ينساه. قد يدفنونه على الرصيف، لكن الأرض ستشهد عليهم. قد يصمت المجتمع لحظة، لكن التاريخ لن يغفر.
يا لعارنا حين نصبح أوطانًا لا تحمي أطفالها، ويا لمأساتنا حين تتحوّل شوارعنا إلى مقابر مفتوحة للبراءة.
قد يسأل سائل وما الحل؟اليكم بعض المقترحات لإنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا
إنشاء صندوق وطني لإيواء الأطفال المعرّضين للخطر، بإدارة الدولة وبالتعاون مع الجمعيات الأهلية والكنائس والمساجد.
تفعيل دور البلديات في استقبال أي بلاغ عن مولود متروك أو طفل مهدّد، بدل تركه يواجه الموت على الرصيف.
إطلاق حملات توعية بأن التخلّي عن طفل لا يعني قتله، بل يمكن وضعه بأمان عبر مؤسسات مختصة.
تشديد العقوبات الجزائية بحق كل من يرمي أو يتسبّب في موت طفل، مع تصنيفها جرائم قتل عمد.
تفعيل دور الإعلام في نشر ثقافة المسؤولية، بدل التعتيم أو التعامل مع هذه الحوادث كخبر عابر.

