بقلم: نبيل حرب
في زمنٍ يئنّ فيه اللبناني تحت وطأة الغلاء، وتحت ركام الدولار الذي سحق أحلامه، تأتي الأقساط الجامعية لتكمل المشهد المأسوي. أقساط لم تعد تُقاس بالأرقام، بل تُقاس بالدم والعرق ودموع الأهل الذين يبيعون ما تبقّى من ممتلكاتهم ليؤمّنوا لأولادهم حقّ التعلم، وكأنّ العلم في هذا البلد أصبح امتيازًا لا حقًّا.
في المقابل، يطلّ البطريرك مار إغناطيوس يوسف الثالث يونان بمبادرة استثنائية للسنة السادسة على التوالي، فيعفي جميع طلاب المدارس السريان الكاثوليك والأرثوذكس من كامل الأقساط، باستثناء رسوم التسجيل والقرطاسية. خطوة تحمل كل المعاني الأبوية، وتعيد للتربية معناها الأول: رسالة لا تجارة.
فهل من يسمع؟ وهل من يقتدي بهذه الروح الرسالية الحقيقية؟
منذ سنوات، أقدم المطران بولس عبد الساتر على تخفيض أقساط جامعة الحكمة ايضا تضامنًا مع الناس… بادرة إنسانية نبيلة، لكنها للأسف بقيت استثناءً في مشهدٍ عام تسوده المعادلات الحسابية الباردة بدل القيم التربوية الدافئة.
إنها مفارقة موجعة: جامعات تحمل أسماء القديسين، شُيّدت على أوقاف اجدادنا واهلنا المؤمنين وتبرعاتهم، وتفاخر بأنها امتدادٌ لرسالة الكنيسة في خدمة الإنسان، تتحول اليوم إلى مؤسساتٍ تفرض أقساطًا تفوق قدرة العائلات على التنفس وتتناقض مع الغاية والاهداف التي شيدت لاجلها.
هل يُعقل أن يكون رسم التسجيل في بعض الجامعات ألف دولار، وأن يُطالب الأهل بعد شهر بدفع قسط أول لا يقل عن ألفٍ وخمسمئة دولار للولد الواحد؟اين نحن ؟اغلى الجامعات في العالم لا تطلب ذلك…
أي منطق هذا، وأي ضمير يقبل أن يُدفع ستة آلاف دولار في شهرٍ واحد عن طالبين فقط، فيما الحد الأدنى للأجور لا يتجاوز ثلاثمئة دولار؟
من أين يأتي الأهل بالمال؟ المصارف نهبتهم، والدولة نسيتهم، والكنائس والجامعات تنظر إليهم من أبراجها العالية وكأنّهم متسوّلون على أبواب العلم وعندما تطرق باب مسؤول كلف اثاث مكتبه عشرات آلاف الدولارات تعود خائبا فقد تصل الى المريخ اسهل من ان تقابله،ومن لا يصدق اعرض له البراهين.
يتحدثون كثيرًا عن “الثبات في الأرض” و”منع هجرة الشباب المسيحي” والماروني تحديدا، لكن أي ثبات يُطلب من جيلٍ لا يجد في وطنه مقعدًا في جامعة ولا بيتًا صغيرًا يأويه ولا فرصة عمل تحفظ كرامته؟
أيّ منطق هذا الذي يمنع التأشيرات عن الشباب، فيما الجامعات نفسها تُقفل في وجوههم أبواب المعرفة وتتسبب بموت اهلهم حزنا ويأسا وفقرا وبؤسا وقرفا؟
ألم تُبنَ هذه الجامعات على أراضي أجدادنا؟ ألم تُشيّد بعرق جبين الرعيل الأول الذي حلم أن تبقى الكنيسة منارة علمٍ ونور؟ فهل يجوز ان يتحوّل الحلم إلى مشروع ربحي؟ وكيف صار اسم القديس على مدخل الجامعة شاهدًا على وجع الناس بدل أن يكون حاميًا لهم وشفيعا لهم وحاضنا لهم وحاميا لهم ومنقذا لعائلاتهم واولادهم؟
من المؤلم أن نرى بعض الجامعات يُفترض أن تكون قدوة في العطاء، أصبحت أقساطها تفوق أقساط جامعات عالمية، وعدد طلابها بالآلاف، ومداخيلها بملايين الدولارات، ومع ذلك لا تسمع صوت أمّ تئنّ لأنها عاجزة عن دفع القسط، ولا صرخة أبٍ باع منزله ومصاغه وسيارته وارضه وكرامته ونفسه ليؤمّن العلم والمستقبل لأولاده فما استطاع الى ذلك سبيلا.
التعليم ليس سلعة.
والجامعة ليست سوقًا.
والعلم ليس امتيازًا للأغنياء بل حقّ لكل مواطن لبناني، كحقّه في الكرامة والحرية والعيش الكريم.
يا أصحاب المعالي والسيادة والقداسة، يا من تتحدثون عن بقاء الإنسان في أرضه، اسمعوا وجع الناس. افتحوا قلوبكم قبل دفاتركم، وعودوا إلى أصل الرسالة التي قامت عليها هذه الجامعات: الإنسان أولاً.
ساعدوا الأهل على البقاء، لا على الانكسار.
أعيدوا للعلم معناه المقدّس، قبل أن يتحوّل إلى عبءٍ يقتل الأحلام ويهجّر العقول.
فالوطن لا يُبنى بالبيانات ولا بالوعود، بل بالعلم… والعلم لا يعيش إلا في وطنٍ يُنصف الأهل، ويكرّم تعبهم، ويجعل من التعليم جسرًا نحو المستقبل، لا جدارًا من الديون والعوز والاذلال واليأس وافتراش الارصفة والطرقات…

