بقلم نبيل حرب
كعادته، ينشغل الرأي العام اللبناني بقضية جديدة تتعلّق بصحّة الناس وسلامة غذائهم، وهذه المرّة حول مياه “تنورين” التي وُضعت في دائرة الاتهام بعد بيانٍ صادرٍ عن وزارة الصحّة العامة أشار إلى وجود تلوّث في إحدى العينات،وامر باقفال الشركة ريثما تصحح اوضاعها وسحب المياه من الاسواق…
غير أنّ الشركة المعنيّة، ممثَّلة برئيس مجلس إدارتها، سارعت إلى الردّ، عارضةً وثائق وفحوصات رسميّة تؤكّد خلوّ مياهها من أي تلوّث، مشدّدة على أنّ مصدرها الصخريّ الجبليّ النقيّ يجعل من تسرّب الملوّثات أمرًا شبه مستحيل.
وبين الاتهام والردّ، تتوالى علامات الاستفهام الكبرى التي لا بدّ من الإجابة عنها بشفافيّة ومسؤوليّة، احترامًا للرأي العام وحفاظًا على سمعة الشركات الوطنية وثقة المواطنين الذين ضاعوا ماذا يفعلون ومن يصدقون:
# كيف تمّت آلية أخذ عيّنة المياه؟ ومن أي مصدر تحديدًا أُخذت هذه العيّنة؟
# في أي مختبر تمّ إجراء الفحص؟ وهل هذا المختبر معتمد رسميًا من قبل الوزارة لفحص المياه المعدنية؟
# هل سبق أن تمّ اعتماد المختبر نفسه في فحوصات مياه “تنورين” أو غيرها من العلامات التجارية في مراحل سابقة؟
# لماذا تأخر صدور القرار إلى حين سفر وزير الصحة الأصيل، ليُوقَّع من قبل الوزير الوكيل؟
# لماذا لم تُؤخذ العيّنة بوجود مندوبٍ عن الشركة كما تقتضي الأصول القانونية والإجرائية، لضمان الشفافية ومنع أي التباس؟
# ما الذي يؤكّد أن العيّنة أُخذت من زجاجات “تنورين” الأصلية وتحت ظروف تخزين سليمة، ولم تتعرض لأي خلل أثناء النقل أو الحفظ؟
# لماذا لا تُعاد الفحوصات بوجود لجنة مشتركة من الوزارة والشركة وممثلين عن نقابة المختبرات، لوضع حدٍّ نهائيّ لكل الشائعات؟
# لماذا استُهدفت “تنورين” وحدها في الفحص، دون سواها من عشرات العلامات التجارية المنتشرة في السوق اللبناني؟واذا كانت الفحوصات شملت الجميع لماذا لم تعلن النتائج اكانت سلبا ام ايجابا؟
#وإذا كانت جميع المياه الأخرى خالية من التلوث فعلاً، لماذا لا تصدر الوزارة بيانًا واضحًا تؤكّد فيه سلامتها جميعًا مع تعدادها المفيد ليعرف المواطن اذا استغنى عن مياه تنورين ماذا يشرب وما هو البديل الذي تؤكد سلامته وزارة الصحة كي لا يذهب كما يقول البعض من تحت الدلفة الى تحت المزراب؟
# وماذا عن مياه الغالونات التي تعبَّأ ؟ هل خضعت بدورها لأي فحص مخبريّ رسميّ؟ وهل كانت نتيجة الفحوصات سليمة؟
يُضاف إلى ذلك أنّ مياه “تنورين” تُصدَّر إلى عددٍ من الدول العربية، وإلى الولايات المتحدة وأستراليا، حيث تُخضعها الجهات الصحية هناك إلى فحوصاتٍ دقيقةٍ ودورية، ضمن معايير عالمية صارمة تتعلّق بسلامة الغذاء وجودة المياه.
ولو لم تثبت جميع هذه الفحوصات، التي تُجرى في مختبراتٍ معترفٍ بها دوليًا، نقاء المياه وسلامتها التامّة،لكانت منعت من دخول البلاد ، مما يؤكد أن المنتج الذي يلتزم بأعلى المعايير في الخارج هل يمكن أن يكون ملوّثًا في الداخل؟
إنّ في ذلك دليلاً إضافيًا على وجوب التروّي،التروي فقط، والتحقق العلمي قبل إطلاق الاتهامات التي تمسّ بسمعة مؤسّسة لبنانية وطنية بنت اسمها على الثقة والنقاء منذ اكثر من اربعين عاما.
إنّ من يعرف طبيعة نبع تنورين ومصدر مياهه الجبلية الصخرية، يدرك أنّ احتمال التلوث ضئيل إلى حدّ العدم، نظرًا لبعد المنطقة عن التجمعات السكنية والصناعية وهي في قلب الجبل.
لذلك، يبقى الحلّ المنطقي والشفاف هو:
إعادة إجراء الفحوصات رسميًا وبوجود مندوب الشركة، لتُثبت الحقائق بالأدلّة لا بالشائعات.
فإمّا أن تُبرَّأ الشركة، وتعود الوزارة عن خطأٍ تسبّب بأذى معنوي كبير لعلامةٍ لبنانية رائدة…او تدان وتتخذ الاجراءات القانونية بحقها لكن بهدف النهوض بها من جديد لأن لها جذور اقتصادية ضاربة في عمق الارض…فكفى تدميرا لبلدنا واقتصادنا وشركاتنا العالمية ولأحلام من قرر البقاء في هذا الوطن.

