نبيل حرب

أفادت معلومات صحافية أن شعبة البحث عن التهريب في الجمارك صادرت نحو 280 علبة من مادة البوتوكس والفيلر، كانت قد دخلت البلاد تهريبًا، كأنها شحنة ذهب لا تُقدّر بثمن. وهنا يطلّ السؤال الكبير: هل صرنا نُحقن الوهم في وجوهنا ونسمّيه تجميلًا وبأسعار خيالية؟

البوتوكس، تلك المادة السمّية التي تُشلّ العضلات، وُجدت أصلًا لعلاج بعض الأمراض العصبية. أما اليوم، فقد تحوّلت إلى سلاح نسائي جماعي ضد الزمن، يُطلق من الإبر على الوجوه المتعبة، طمعًا في “إعادة الشباب” الذي فرّ منذ عقود طويلة.

لكن المدهش في الأمر، أن هذه المواد التي تُمنع في عدد من دول العالم، وتُراقَب بشدة في أخرى، تُباع في لبنان كعلب السكاكر! بعضها منتهٍ الصلاحية، وبعضها لا يحمل أي ترخيص طبي. والنتيجة؟ وجوه متجمدة، ابتسامات بلا روح، وجمال مُعلّب بماركات مريبة!

أيّ منطق هذا الذي يسمح بحقن الجسم بمواد “سامة” بحجة التجميل؟ وكيف يمكن لجسم الإنسان أن يتحمّل كل هذا الغشّ والتهريب والفوضى الكيميائية؟وهل فكرنا بالامراض الخبيثة التي تخلفها هذه السموم والمواد الغريبة على اجسادنا؟
ثم من يراقب؟ وزارة الصحة؟ الجمارك؟ أم أن الرقابة أيضًا “أخذت حقنة بوتوكس” ونسيت ملامحها الأصلية!

في السوق اللبناني، تُتداول مواد لا يعرف أحد مصدرها. يُقال إنها فرنسية أو كورية أو أميركية، لكنها في الحقيقة “صنع في المجهول”، تدخل تحت شعار: “جمّلي نفسك، وادعي الله أن لا تنتفخ!”وقد حصلت عدة مشاكل وشكاوى من سوء استخدامها،علما انها تباع بأسعار خرافية دون ضابط او حسيب في بعض الامكنة…

أما الأغرب، فهؤلاء النسوة اللواتي يهاجمن الشيخوخة باللجوء الى الإبرة، وقد بلغن الستين أو السبعين، فيتحوّلن إلى نسخ متشابهة من بلاستيك واحد. لا تجاعيد، لا تعابير، لا إنسانية. فقط وجوه “ممسوحة” كأنها إعلان تجاري فاشل عن الشباب الضائع،والخوف احيانا ان تتقلص الشفاه ويذوب البوتوكس تحت اشعة الشمس…

لقد أصبح “الجميل” اليوم هو من يفقد ملامحه، و”الأنوثة” من تُفرغ وجهها من التعبير، والـ”أنا” تختفي خلف شفاه منتفخة لا تعرف كيف تنطق ولا متى تبتسم.

ولأن “الطلب يصنع السوق”، انتشرت المراكز التي تقدم عمليات التجميل بالجملة، وفي بعض الصالونات غير المرخّصة، حيث “الدكتورة” هي خبيرة تجميل بالأمس، وجراحة تجميل اليوم كما نسمع ونرى في الاعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي!

فإذا كانت هذه المواد ممنوعة أو محظورة في دول المنشأ، فلماذا يُسمح باستعمالها هنا؟
هل اللبنانيات أكثر مناعة؟ أم أن الفوضى في السوق المحلي تسمح بتحويل كل وجه إلى حقل تجارب؟

نعم، هناك أبحاث كثيرة حذّرت من مضاعفات البوتوكس والفيلر: التهابات، تشوّهات، تسمّم عضلي، بل حتى شلل موضعي في بعض الحالات. ولكن يبدو أن الهوس بالمظهر أقوى من العلم، وأن “صورة السيلفي” باتت أهم من سلامة الجسد.

في النهاية، لم يعد السؤال: من الأجمل؟
بل صار: من ما زال له وجه طبيعي يشكر الله الذي خلقه على صورته ومثاله…

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,538