بقلم نبيل حرب
ترددت كثيرًا قبل أن أكتب لأكثر من سبب… لكنّ الصمت صار خيانة. والمسيح قال: «تعرفون الحق، والحق يحرّركم». ومن يعرف المسيح، يا صاحب الغبطة، عليه أن يشهد للحق، لا أن يصمت أمام الظلم… مهما كان مصدره.
رعـيتك ليست بخير اقولها لك يا صاحب الغبطة بكل صراحة وجرأة، ووجع الناس يصرخ في وجهي كل يوم…
الناس التي كانت تزرع في هذا الوطن الحبّ والإيمان والامل، صارت اليوم تزرع الدمع والمرارة والقهر… المصارف سرقت جنى العمر. سرقت القروش البيضاء التي ادّخرناها لتعليم أولادنا، كي نراهم حملة شهادات لا حمَلة أحزان وجهل او جوازات سفر. واليوم بدل أن تكون المؤسسات التربوية التي تحمل أسماء القديسين ملجأً ورجاءً، صارت عبئًا إضافيًا يثقل كاهل الأهالي، وسيفًا على رقاب اولياء الطلاب.
يا صاحب الغبطة صدقني ان رعيتك ليست بخير،
فالحدّ الأدنى للأجور لا يكفي إيجار غرفة، فكيف لربّ العائلة أن يؤمّن لأبنائه الحدّ الأدنى من الكرامة؟الحد الأدنى من المتطلبات؟ لولا بعض المغتربين الذين يمدّون الأيادي للبنان بفتات تعبهم، لكانت المآسي أكبر بكثير…
ومع كل هذا البؤس، بدل أن تبادر المدارس والجامعات “المسيحية” إلى تخفيف أقساطها، إذا بها ترفعها أضعافًا مضاعفة، وكأنها تتاجر بالألم وكأنها لا تعرف ان الناس ليست بخير… بالأمس قبل سنة كان القسط الجامعي نصفه بالليرة ونصفه بالدولار، واليوم صار كلّه بالدولار، وكأن الطلاب يعيشون في سويسرا لا في لبنان المنهوب. من كان يدفع 900 دولار في الشهر، صار اليوم يدفع 1600، أي أكثر من 12 ألف دولار سنويًا هذا لتخصص عادي… فهل يُعقل أن يدفع أبٌ لولدين أكثر من 24 ألف دولار سنويا في بلد لا يتجاوز راتبه 300 دولار؟!
من أين؟
من أين يأتي الفقير بالمال بعدما باع كل شيء؟ باع بيته، أرضه، سيارته، أثاثه، ومصاغ زوجته، ولم يبقَ له إلا كرامته، فهل يُطلب منه أن يبيعها أيضًا ليعلّم اوليكمل تعليم اولاده ؟
يا صاحب الغبطة،
إن لم تُسعف الكنيسة أبناءها اليوم، فمتى؟ وإن لم تقف مع شعبها في ساعة الألم والوجع والفقر والقهر والتمزق … فمع من تكون؟تذكروا ان هذا الشعب قدم الدماء من اجل كنيسته وايمانه ومن اجل ان تبقى اجراسنا تقرع…
المطران عبد الساتر خفّض الأقساط في جامعة الحكمة، فاستحق الاحترام والشكر والتقدير، والبطريرك يونان أعفى طلاب السريان في المدارس من الأقساط، فاستحق التقدير والثناء. لماذا لا تحذو بقية الجامعات “المسيحية” حذوهما؟ أليست كلّها مؤسسات لا تبغي الربح؟ ألم تُبنَ على تبرّعات الأهالي وأوقافهم وتقديماتهم وتضحياتهم؟ولماذا اقساط بعض هذه الجامعات اغلى من اوروبا؟
هل أصبحت الجامعات التي تحمل اسماء القديسين للأغنياء فقط؟
هل بات الفقراء خارج نعمة العلم؟ومن سجل اولاده قبل سنة في هذه الجامعات باقساط معينة ماذا يفعل بعد هذه الزيادات؟هل سألتم انفسكم لماذا انخفض عدد الطلاب المسجلين هذه السنة في جامعاتكم بدل ان يزداد…انه الفقر يا صاحب الغبطة وعدم قدرة الاهل على دفع الاقساط…
هل كتب علينا وعلى اجدادنا نحن أبناء هذا الوطن أن نموت ونستشهد من اجل قيمنا المسيحية ومن أجل لبنان، بينما الأغنياء يعلمون اولاهم في جامعاتكم ويسافرون في الطائرات مع اول طلقة مدفع بحثًا عن الراحة والسلام؟
يا صاحب الغبطة
رعـيتك ليست بخير.
لأنّ رعيتك تتألم، ولا أحد يسمع ولو دخلت الى بيوت مجمل الناس ،واستمعت الى هواجس الشباب الذين يعملون ليل نهار لتحصيل جزء من القسط مع اهلهم،لو استمعت الى اعترافات كل منهم سيدي البطريرك لبكيت وبكيت طويلا جدا…فأنت اب الطائفة ومرجعنا لمن تريدنا ان نشتكي لسواك؟
انظر بعين الرحمة سيدي البطريرك الى الاهالي الفقراء يُذلّون أمام أبواب مدارس وجامعات تحمل أسماء القديسين مثالا في الرحمة، بينما هنا لا أحد يفتح لهم الباب ويتحدث معهم او يعطيهم الامل بالمساعدة والرحمة والعطاء…واذا اخبروك غير ذلك وبأنهم ودعاء لا تصدقهم وانا املك اكثر من اثبات
طَهّر الهيكل من تجّاره، يا صاحب الغبطة.
فالمسيح قلب موائد الصيارفة، لا لأنه يكره المال، بل لأنه أحبّ الإنسان الانسان اولا فمن اجلنا اتى وصلب عنا،وافتدانا لتكتب لنا الحياة.الحياة الكريمة الحرة المحترمة اما خلقنا الله على صورته ومثاله…
ساعدوا الناس ليبقوا في هذا الوطن قبل ان يفرغ من شبابه،لمن تقرع الاجراس وتفتح الكنائس اذا فرغ البلد من شعبه المسيحي تدريجيا؟ افتحوا الأبواب أمامهم سيدي، استمعوا الى شكواهم وهمومهم، بدل أن تُغلقوا ابواب الامل والرحمة بوجههم. خفّفوا الأقساط بدل أن تُثقلوا كاهل الاهل وانظروا الى اليأس عندهم وزيادة حالات الانتحار، وعودوا إلى جذور الكنيسة: إلى الإنسان، إلى التعليم، إلى الرسالة.الى احتضان الفقراء كما احتضن المسيح تلاميذه وافتداهم بدمه الطاهر…
رعـيتك ليست بخير، يا صاحب الغبطة، ما دام الفقير يُذلّ كل يوم الف مرة، وما دام العلم حكرًا على من يملك الدولار لا على من يملك الروح والفكر والاجتهاد والحلم والتجذر في هذه الارض والدفاع عن القيم المسيحية على مر التاريخ حتى الاستشهاد.
صاحب الغبطة …رعيتك ليست بخير صدقني…فتحركوا قبل فوات الأوان…واشهد امام الله وامامكم انني بلغت.

