بقلم نبيل حرب
رئيس التحرير

لم أعرف يومًا أنَّ القلب يمكن أن يحزن على صخرة… أو أنَّ الدمع يمكن أن يتشكّل من نقطة ماء كلسية، هوت حزنا على مغارةٍ تشكلت نقطة نقطة واستغرقت ملايين السنين لتكتمل.
لكن ما حصل داخل مغارة جعيتا، جعل الغصّة تكبر والنقمة تزداد على من اغتصب سكونها وجمالها وطهرها…
جعيتا… التي سمّيناها جنة الله على الأرض، تحوّلت فجأة إلى مسرح صاخب: موسيقى، أضواء، تصوير، أنخاب تتبادل… وكأنّنا نحتفل فوق مسرح عادي، لا فوق لوحة كونية نحتها الخالق وحده، بلا إزميل ولا مطرقة ولا يد إنسان.
كيف سمحنا لأنفسنا بذلك؟
كيف مدّدنا أيدينا إلى قدسية المكان؟
كيف هان علينا هذا الجمال؟
من يتذكّر سنوات الحب الأولى لجعيتا في اول زيارة كيف اصابنا الذهول؟
من ينسى أن الزيارة إليها كانت طقسًا خاشعًا لا نزهة عابرة؟
أنّ الخطوات داخلها كانت اشبه بالهمس، والعيون تُصلّي، والإنارة خافتة خجلًا من روعة المكان؟
في زمن سابق، كان رئيس شركة “MAPAS” الراحل الدكتور نبيل حدّاد يحرس المغارة كقلبه.
كان يمنع الضجيج ويرفض الأضواء القاسية
كانت الكاميرات ممنوعة احترامًا لحساسية الصخور
وكانت الموسيقى الوحيدة هي خرير الماء وزقزقة العصافير عند المدخل
لا ورقة في الأرض
ولا يد تعبث بجمال الله
الموظفون كانوا أشبه بالرهبان،وبييريت وغيرها يرافقون الوفود والزوار…
المغارة كانت كاتدرائية…
نخشع أمامها ونخرج منها أنقياء…
اليوم، تغيّر المشهد.
القطاع العام استلم…
والمال كعادته المشكلة.
أمّا الجمال… فصار آخر الهموم.
هل يستحق المال أن نخسر معجزة؟
معجزة تحتاج إلى ملايين السنين لتتشكل،
وقد تحتاج إلى ثانية فقط لنجرحها،لندمرها…
وإلى عقدٍ من الزمن لنكتشف الجرح!
الترسبات الكلسية التي نراها معلّقة كأسرار سماوية،
كل سنتيمتر منها هو عمرٌ من الصبر…
فهل يجوز أن نهدره بصخب لحظة عابرة؟
قد لا تكون جعيتا من عجائب الدنيا السبع،
لكنها في قلبي وبالي ووجداني الأعجوبة الطبيعية الأولى…انا اصلي داخلها ، اسجد ارى عظمة الخالق في كل شيء،واخشع في سكونها وصوت تدفق المياه النقي،حتى الكلام داخلها كان همسا احتراما لنعم الخالق علينا.
جعيتا…أجمل ممّا رأيناه في مغاور العالم،
أبهى من كل ما نحاول تقليده،
أعظم من كل حفلة… ومن كل مناسبة.
يجب ان تعود جعيتا إلى حضن من يحبّها،من يدللها،من يحميها برموش العين…
تعود إلى إدارة تعرف قيمتها، أنّها ليست مشروعًا تجاريًا ولا يهم ما نحققه من مكتسبات مالية منها،فجعيتا فخرنا وكرامتنا ولا احد يبيع كرامته بمال الدنيا وما عليها،
جعيتا أمانة من الله في أرض لبنان فهل عرفنا كيف نرعاها ونحافظ عليها؟
ليكن آخر عرس… أو آخر ضجيج… وآخر احتفال او تجمع داخلها…
فوق أرضٍ اشبه بالمعجزة لا تتحمّل الطيش والطقش والفقش…
احموا جعيتا…حافظوا عليها
لنحمي بقايا لبنان فهذا الوطن لنا ولبنينا بعدنا واقعا لا نشيدا وطنيا فقط نفتتح به المناسبات…
فهل كنا على قدر المسؤولية والنعمة التي وهبنا اياها الله؟

شاركها.

إجمالي عدد زوار الموقع: 2,044,333